كاميرا

  • عثمان الثويني

لم أتخيل نفسي يومًا بأن أكون كاميرا، فكما أعلم وتعلمون أن هذا التخيل من التخيلات الممنوعة أو المجنونة لشخص إمكاناته البصرية محدودة، ولكني سأكون كاميرا رغم كل الظروف، فهناك من يستطيع أن يجمّل الصورة لكم فيما بعد بأحد تلك البرامج التي تجعل القبيح جميلاً.

سأبدأ بالعد تنازلياً من العشرة إلى الصفر ثم سأروي لكم حقيقة ما سجلت في ذاكرتي، فالحال لم يعد منصوباً في درس اللغة العربية، والقسمة المطولة صارت قسمة ضيزى في درس الرياضيات، كما أن علوم الأحياء دفنت مع الأموات في درس العلوم الطبيعية. وليس هذا فقط ما تخزن في ذاكرتي للأسف، فالمعلم لم يعد وريثاً للأنبياء كما سمعنا وحفظنا، فغدا بعضهم غير قادر على التحكم بفصله من خلال علو صوته وبذاءة أسلوبه ورداءة علاجاته للمواقف التعليمية والتربوية منها. هنا سأضغط على زر إيقاف التصوير لأخبركم بأن لكم مطلق الحرية بأن تنعتوني بما تشاؤون من أوصاف التشاؤم والسوداوية والنظر إلى المقدار الفارغ من الكأس، ولكني (كاميرا) صورت ثم وصفت.

وبعد أن أطلق الجميع علي ما يريد من أوصاف، سأُعيد العد من جديد وأكمل تصويري لأريكم بعدها ما رأيت، فستستغربون من حديثي عن ذلك المعلم الذي يصب كل تركيزه على علاج فاجعة (ضحكة أحد الطلاب) أو (حديث جانبي بين تلميذين) أو ماذا أقول لكم عن توافه الأمور التي يلتفت إليها المعلمون ويتناسون الكم الكبير من الطلبة ويبتعدون عن محور الدرس الرئيس، فالمعلمون بعيدون كل البعد عن مفاهيم (علم نفس النمو) الذي تتيح لهم فرصة وضع التطبيقات التعليمية للنظريات بما يتناسب مع الفئة العمرية لها، ناهيكم أن المعلمين أصبحوا لا يرون فيما يقدمون رسالةَ بناء للمجتمع.

ولعلك عزيزي المشاهد وأنت ترى ما صورت الكاميرا تقول (ليس كل المعلمين في فصولهم كما هم بالمشاهد الحالية)، وأنا أقف مع ما تفضلت به وأوافق عليه، لكن الواقع مرير، فالمنظومة التعليمية لا تصنع من المعلم مربياً ولا معلماً، فلا المدرسة عادت كما المدرسة التي نعرفها، ولا الإدارة التعليمية هي التي شهدنا حزمها وحنكتها، ولا البيت والأسرة اليوم هما كما كانا عليه قبل سنوات، فالمعلم يعيش في عزلة عن رسالته وغربة في فصله، والضحية هم الطلبة المساكين الذي أصبحوا ضحية المنظومة التربوية الفاسدة التي يمثلها المعلم في الفصل.

لا أستطيع ان أكمل لكم بقية المشاهد فهناك ما يصلح منها لأعمار معينة، وهناك ما أترفع به عن عرضه للمشاهد، فالتصرفات التي رأيتها لا تمت لدين أو عروبة أو عُرف بصلة، بل هي أقرب إلى عالم وحشي يعزز مفاهيم العنف اللفظي والبدني، فالساعات التي يقضيها الطالب في المدرسة هي ساعات هدم أقرب منها للبناء، فالوالدين لهما الله في إعادة التربية التي هدمتها مؤسسات هي بالأساس وجدت للتربية والتعليم.

لعل المشاهد التي صورتها الكاميرا تقع بين يدي صاحب رؤية وقرار يعمل على تعزيز دور ومكانة المعلم من جديد، وانتشاله من مستنقعات الهرولة وراء الدروس الخصوصية ومحاولة المجاراة الكاذبة لطبائع الأجيال بحجة المصاحبة لهم، وهو في حقيقة الأمر يسعى لمآرب أخرى. مناهج القيم وبرامج التطوير السلوكي للمعلم أصبحت حاجة ملحة نفتقر إليها في مؤسساتنا التعليمية، فانهيار البلدان أساسه انهيار التعليم. اللهم إني قد بلغت، اللهم فاشهد.

عن قسم المقالات

شاهد أيضاً

1645E020-17A7-47D8-92B0-09AAE0C46F33

الحقيقة المستورة

روان الجميل ” إذا كان قانون الفيزياء يقول : إن الضغط يولد الانفجار، فقانون الاجتماع …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *