الرئيسية / HOME / مقالات / الأمان الوظيفي (سرطان العقول)

الأمان الوظيفي (سرطان العقول)

  • خالد فهد التركي 

منذ زمن طويل وتحديداً منذ أن عملت في وظيفتي الأولى عام (1416هـ) وحينها كنت طالباً في المرحلة الثانوية (الأول ثانوي)، لم أكن أتطلع للبقاء في وظيفتي بعد إنهائي مرحلة الدراسة، وكانت الخطط جمة ولم تكن المسألة إلا مسألة وقت فقط لتحديد الوجهة التالية.

وعند إنهائي المرحلة الثانوية، إنتقلت لوظيفة أخرى لمدة عامين تقريباً، واكتسبت العديد من المهارات وحضرت بعض الدورات التي تلقيتها على رأس العمل من جهة العمل، مما دفعني بطاقة كبيرة للممارسة والتطبيق وإكتساب تلك الخبرة العملية. وكان الدافع للبحث عن الأفضل وهكذا حتى تراكمت الخبرات عبر السنين وخلصت أن عملت في عدة قطاعات حكومية وشبه حكومية وخاصة، وكان الديدن والفارق في قبول الانتقال من وظيفة إلى وظيفة عدة عوامل أهمها بيئة العمل وطبيعة الأعمال وحجم ومستوى المسئوليات والجانب المادي بطبيعة الحال.

فوجدت نفسي بعد تلك السنين (16 عاماً) تقريباً ملماً بما نسبته (70-75)% من عالم الأعمال والخدمات، وقد كانت فترة زاخرة بالعلاقات الاجتماعية والعملية وتنوع في ثقافات العاملين وأنماط الشركات وحقيقة لم أكن سألم بلك الزخم الهائل لولا عملية التنقل الصحي التي نبعت من منطلق (لا للأمان الوظيفي) ولم تكن تعني لي جملة (البحث عن الأمان الوظيفي)، بل بالعكس كانت موجة تدفعني للبحث عن الأفضل لا للبحث عن المأمن.

وبمشاهدة قريبة وحثيثة ألاحظ أن الغالبية من أبناء جيلي أستقروا في وظائفهم وعندما نتحدث سوياً ونقارن كل المعايير الوظيفية والحياتية التي حصدناها حتى الان أجد أنهم يتقدمون كسلحفاة مقابل خطوات أرنب، والأهم أني أجدهم بشكل أو بآخر مُحبَطين ومُحبِطين في نفس الوقت، كما أجد أنهم ينتقدون وبشدة تلك التنقلات مع يقين بعضهم الداخلي أنها صحية ولكن الخوف الذي بداخلهم هو مادفعهم للإنتقاد لعدم قدرتهم على إتخاذ تلك القرارات الشخصية والعملية والعزم على الإنطلاق.

ومنذ بداية رغبتي بالكتابة، رأيت أن أكتب في هذه الجزئية بما رمزت لهبعنوان المقال، نعم إن الأمان الوظيفي مصطلح غير صحي وأشبه مايكون بسرطان للعقول، وخصوصاً كما هو مُعرف في مجتمعاتنا العربية وبعض المجتمعات الأخرى، فقد عُرف لنا الأمان الوظيفي بأنه حصولك على مستحقاتك ومميزاتك الوظيفية في أي بيئة ومقابل أي عمل دون أدنى أهمية لشورك ورغبتك ومحبتك لما ترغب العمل به مما لا يمكن صاحب العمل من الأستغناء عن خدماتك.

وتلك هي الطامة الكبرى، وبداية تفشي المرض القاتل إبتداءاً من عقلك حتى أخمص قدميك، فالشعور بالأمان الوظيفي حسبما وصفتُه هو بداية نهايتك التي ستحجم قدرتك الإبداعية والتحفيزية والتفكيرية والداخلية والأسرية والمجتمعية ولن تقف حتى تصل إلى أن تكون عاجزاً عن التفكير في أبسط الأمور، لعدم قدرتك على إستخدام عقلك بجانبية (الأيمين والأيسر) سوياً، ولن تصل من العمر أربعون عاماً إلا وقد نهش فيك ذلك الداء مالم تتوقعه، ومالا يمكنكم من القيام بمسك فرشة الأسنان مرة في اليد اليمنى وتارة في اليد اليسرى.

أنا من أشد المُحفزين على عدم الركون لوظيفة واحدة، وخصوصاً تلك الوظائف التي تجد فيها الوقت لقراءة الصحف والدردشات الوسيعة الساذجة ومن سيحظر وجبة الفطور غداً وماذا فعل ذاك وماذا قال وأين ستذهب اليوم بعد ساعات العمل التي لم تقدم فيها إلا أن نقلت معلومة لرئيسك أو حفظت ملفاً في رف حتى العناكب سئمت منه، أو تصفحك لصفحات الإنترنت غيرالهادفة مروراً بمواقع الصوتيات والمبيعات والأدوات، وفي نهاية المطاف وعندما يأتي نهاية السنة تجد أنك حصلت على درجة أعلى في الترتيب الوظيفي وقد تغير مسماك إلى أعلى من السابق وحصلت على مكتب خاص بك، وتشعر حينها بأنك كنت البطل الذي عمل بجد وأنت حقيقة كنت بمثابة السارق المريض الميت الذي يسعى لأن يظهر بمظهر النقي المجتهد والذكي.

ومن أشد المفارقات أنك حينما تتحدث مع أحدهم بما ورد من الوصف أعلاه يقول لك وبثقة (الله لايغير علينا)، وتجادله في حديث لن ينتهي الا بتعنته وعدم وجود ثغرات في أذنيه لتوصل له حقيقة حاله وحقيقة أن الله عز وجل قال في محكم كتابه (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ) [سورة الرعد:11]، فينصدم بذلك ويقول لك إن شاء الله في المستقبل، وهو بذلك يختم على مستقبله أنه لن يبدأ إلا عندما يبلغ سن عزله عن العمل أو أن تحل مصيبة في الشركة ويتم الإستغناء عنه.

وحتى نضع الأمور في نصابها الصحيح ففرص التغيير من أعظم الفرص التي ستساعدك لتخطي مخاوفك وتحقيق حياة كريمة مستدامة، وإذا لم تعمل الان وبشكل عاجل لإعادة ترتيب أوراقك وخططك ورصد كل طموحاتك وربط أهدافك واستجماع قواك لتحقيق رؤية المملكة العربية السعودية 2030 والتي تعد أهم فرصة لنا جميعاً كون أننا في قطار التغير منطلقين دون توقف إن شاء الله لتحقيق أهدافنا في تلك الرؤية، فتأكد أنك ستكون من أول من سيغادر ذلك القطار ويترجل عند أقرب نقطة ولن يتسنى لك الإستدامة في النجاح مثلما سنحققه نحن جميعاً وطناً وقيادةً وشعباً، وتذكر دائماً وأنظر بكثب بمعنى ماقاله سمو سيدي ولي العهد وزير الدفاع صاحب السمو الملكي الأمير/ محمد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود -حفظه الله- أن طموحاتنا هي عنان السماء.

وخلاصة حديثي لمن يعتقد بصحة هذا المصطلح أنه إذا لم تستطع أن تقدم كل يوم مايبقيك متطوراً على قيد الحياة بكامل مامنحك الله من نعم في العقل والإبداع والإبتكار والتطوير والتحفيز والتغيير فأبحث لك عن بيئة عمل أفضل تساعدك طالما لم تساعدك تلك الوظيفة، وأعلم أنك عندما تكسر حاجز الخوف من التغيير الوظيفي فستمتلك قدرة هائلة على التغيير الإيجابي الداخلي وسترتفع لديك نسبة التحفيز الداخلي بالتوازي مع ارتفاع تلك القدرة، وستكون أنت من يحدث أثراً إيجابياً في كل عمل تعمل به لوطنك ولمجتمعك ولأسرتك ولشخصك.

 

عن قسم المقالات

شاهد أيضاً

الكوادر المهدرة

سلمان الشهري   كم نقرأ ونسمع ونشاهد من الحملات التثقيفية والتوعوية المتعلقة بترشيد وتوفير الطاقة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *