الرئيسية / HOME / مقالات / يوم تطوعي في الذاكرة

يوم تطوعي في الذاكرة

  • عهود عبدالعزيز عويضة

لم تكن زيارتي لمؤسسة رعاية الفتيات بالرياض زيارة عادية او متوقعة، و لم تكن تصوراتي و توقعاتي قبل هذه الزيارة كما كانت بعدها.
لاعرفكم بنفسي اولاً؛ أنا إحدى مواطنات هذا البلد، اعمل طبيبة استشارية بمستشفى الملك خالد التخصصي للعيون بالرياض، و هو صرح كبير قد لا يسع المجال هنا للحديث عنه و عن أصالته. تم اختياري ضمن فريق كبير كأحدى المتطوعات في “يوم التطوع العالمي “و هو يوم أطلقته الأمم المتحدة في عام ١٩٨٥ لتشجيع التطوع و دعم المساهمة المجتمعية، و هذا اليوم يوافق الخامس من ديسمبر من كل عام، و قد أطلقت وزارة الصحة بقيادة النشط معالي الوزير توفيق الربيعة حملة كبيرة لتفعيل هذه المناسبة الخاصة و المميزة.
من هنا قام مستشفى الملك خالد التخصصي للعيون -كعادته في السبق في مثل هذه الفعاليات -بتشكيل ٦ لجان مختلفة للمشاركة في هذا اليوم، و قد تنوعت و توزعت هذه اللجان بين الجمعيات الخيرية و دور العجزة و مراكز التسوق و المنتجعات العامة، و شارك فيها طاقم كبير من اطباء و ممرضين و فنيين و إداريين من الجنسين.
كان نصيبي هو التطوع ضمن الفريق الذي سيتوجه لزيارة مؤسسة رعاية الفتيات، و تم إبلاغي بمكان الزيارة قبلها بيوم فقط، و لا اخفيكم مدى التردد و التوجس الذي أصابني عند سماع اسم المؤسسة، بالنسبة لي (كما هي بالنسبة للكثيرين) عالم غامض مجهول لا نعلم عنه شي، لم يتحدث عنه أحد، لم يشاهده منا أحد، و لا اعتقد ان البعض يرغب حقاً في مشاهدته.
كل معلوماتي المتواضعة وقتها ان هذا المكان هو بمثابة سجن او معتقل للاحداث، بالرغم من تحفظي على
2 / 4
كلمة سجن و كرهي لكلمة معتقل، لكني لم أعرف حينها مصطلحاً آخر للتعريف بالمكان.
كانت خطة الحملة هي الالتقاء بالفتيات هناك و اجراء فحوصات اساسية للعين لهن، القاء بعض المحاضرات الطبية التي تهمهم و تندرج تحت قدرات ادراكهم، و محاضرات تتعلق بالمجتمع و تأثير التفكير الايجابي و النظرة المستقبلية، و لم تخلُ الفعالية من المسابقات الخفيفة الهادفة مع توزيع العديد من الهدايا على الفتيات.
انطلقت بعد صلاة العصر مقتفية أثر المؤسسة حسب توجيهات خريطة جوجل و التي لا استطيع التحرك بدونها خاصةً في مدينة الرياض التي ارقبها تمتد و تكبر كل يوم لتصبح في مصاف العواصم العالمية المتميزة، وصلت بسلام حسب توجيهات السيد جوجل و رحت ارقب لوحة المؤسسة من خلال زجاج السيارة و كأنني أخشى حتى النظر لها، طلبت من السائق النزول و طرق الباب الرئيسي و التثبت من مكان الدخول، خرج رجل أمن بهيئته الوقورة و سأل السائق الذي أشار بدوره إليٓ، مما اضطرني للنزول متثاقلة و التعريف بنفسي و طلب الدخول، و تم السماح لي بذلك بعد التحقق من هويتي و إرشادي للطريق الذي يجب ان اتبعه حتى أصل لإدارة المؤسسة.
منذ بداية عبوري بوابة المؤسسة و حتى وصولي لمبنى الإدارة احسست كأن دهراً مضى، كنت اتلفت يمنةً و يسرة و أنظر للسماء و للخلف و كأنني في فيلم أكشن أخرجه و أمثله بنفسي، وصلت لمبنى الادارة و كان علي الانتظار بعض الشئ حتى يتم فتح الباب، دخلت و تمتعت باستقبال مميز من إدارة المركز و المشرفات، استضافتني احدى المسؤولات في مكتبها لاطلاعي على الاجراءات الأمنية و أنظمة المؤسسة، و لا أخفيكم انها كانت صارمة جداً فيما يتعلق بهذه القوانين و هو ما زاد اعجابي و احترامي للمكان.
3 / 4
التحقت بباقي الفريق و الذي كان قد سبقني لتجهيز المكان و الاستعداد، كان دوري القيام بالفحص الطبي تحت مرأى و مسمع من المشرفات، كنت اختلس النظر للفتيات اثناء دخولهن مكان الفحص الواحدة تلو الأخرى و لسان حالي يقول كيف هي اشكالهن ؟، ماذا يلبسن، ما هي هيئتهن، الخ. قطع حبل هذه التساؤلات الفتاة الاولى التي جلست امامي و مددت يدي للسلام عليها، مدت يدها بخجل، سألتها عن شكواها و اجابت باقتضاب، سألتها بعض الاسئلة الأخرى لأكسر حاجز الوجل بيني و بينها، وجلي انا قبل وجلها هي، استجابت لي و اصبحت اسأل و هي تجاوب بأريحية و قمت بفحص عينيها و طمأنتها، و هكذا تكرر نفس السيناريو تقريباً مع باقي الفتيات، مع بعض الفحوصات الإضافية التي تطلبتها بعض الحالات، كنت أنظر لهن و كأني احاول ان اقرأ ما بداخل كل واحدة منهن، اعلم انهن يحملن قصصاً كثيرة و تجارب مختلفة، لكني رأيت وجوهاً مبتسمة و نفوساً راضية و قوية، حاولت ان اكسر ما تبقى من توجسي فقمت لاداء صلاة المغرب، تجولت قليلاً في المكان المحيط بي و تفاجأت بصالة رياضية كبيرة، غرفة للأنشطة الفنية، لوحات فنية رائعة نقشتها ايدي النزيلات، عبارات تشجيعية
و ايجابية في كل مكان، مظاهر جمالية عديدة لا يسعني الوقت لذكرها، بعد الصلاة كانت المحاضرات و المسابقات و التي قام بها باقي اعضاء الفريق التطوعي الرائع، كانت الفتيات تتنافسن للإجابة على الاسئلة و تتفاعلن معنا بحماس لم اشاهد مثله، و كانت حصيلتهن الثقافية و المعرفية مبهرة، كانت السعادة تحلق في المكان، سعادتنا نحن قبل سعادتهن، و سعادة إدارة المؤسسة بهذه المشاركة، و سعادة الفتيات بتواجدنا معهن، و أسمعونا كلمات شكر كادت أن تبكينا. عدت و انا أجر نفسي متثاقلة و كأني لا ارغب في
4 / 4
تركهن، و وعدناهن بزيارتهن مرات قادمة بمشيئة الله تعالى.
معالي وزير الصحة؛ شكراً جزيلاً من الاعماق على هذه الحملة التي تنطلق للمرة الاولى على مستوى المملكة، ابناؤك و بناتك منسوبي الوزارة ممتنون لهذه المبادرة، سعادة المدير العام التنفيذي لمستشفى الملك خالد التخصصي للعيون الدكتور عبدالعزيز الراجحي؛ شكراً جزيلاً لتشريفي باختياري ضمن فريق التطوع، أخواتي عضوات فريق التطوع؛ شكراً جزيلاً لكل ما قدمتموه لي اولاً و للحملة ثانياً، إدارة مؤسسة رعاية الفتيات بالرياض؛ شكراً جزيلاً لما تبذلونه من وقتكم و مشاعركم في هذا المكان، وزارة العمل و التنمية الإجتماعية؛ شكراً جزيلاً للاهتمام الرائع بفتياتنا و الحرص على بنائهن البناء السليم حتى يكن مواطنات صالحات، و امهات مربيات.
و يا أيها الآباء احتضنوا ابنائكم و بناتكم، لا تتركوهم يتخبطون و يتيهون، وجهوهم، تحملوا اخطائهم، قوموهم حتى لا يكسروكم.
و انتم ايها القراء الكرام؛ شكراً جزيلاً لسعة صدوركم، اطلت عليكم لكنها مشاعر مختلفة أحببت ان تشاركوني فيها.

عن قسم المقالات

شاهد أيضاً

عقيم !

محمد علي في كلِ قاعٍ من بقاعِ الغطرسةِ والغرورِ والرياءِ والكِبر أسئلة شوكية ، تكمن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *