الرئيسية / HOME / مقالات / الفقر وبنك الفقراء

الفقر وبنك الفقراء

  • مسلم الرمالي

تقول إحصائية حديثة إن 1% من إجمالي سكان العالم يمتلكون نصف ثروات العالم، بينما بالمقابل أكثر من نصف سكان العالم لا يمتلكون سوى 2.7% فقط من إجمالي الثروة العالمية، حسب تقرير بنك «كريدي سويس».
إحصائية صادمة، ولكن «خلك طبيعي».. وتخيل معي أن البنوك يملكها الفقراء، وعملاء التميز فيها هم الأشد فقراً، وأولوية قروضها لمن هم تحت خط الفقر وبدون ضمانات مالية وفوائد ربوية وإجراءات تعجيزية، وتضع هذه القروض في أولوياتها المرأة بشكل خاص والأسرة بشكل عام. كيف ستكون يا ترى النتائج وكيف تتحول الأرقام وكيف تنهض التنمية بالأوطان.
هذا الخيال «تبخر» على يد البروفيسور محمد يونس الذي أسس بنك الفقراء عام 1983(بنك جرامين)، وتعود تفاصيل الحكاية إلى عام 1974، حيث أصابت بلاده بنجلاديش مجاعة قاسية، ووجد أن الفقراء يعتمدون على القروض الربوية من التجار لأنشطتهم التجارية والحرفية المتواضعة، وبالتالي تذهب معظم أرباحهم للتجار المقرضين. ووصل إلى قناعة بأن الفقراء إذا توفر لهم رأس المال بأساليب وشروط مناسبة سيحررهم من الفوائد والربا واستغلال التجار والبنوك، وسيجعلهم يستغلون المال لفائدتهم فقط، ولهذا حاول أن يقنع البنوك بأن تقرض الفقراء بلا فوائد ولكن البنوك رفضت الفكرة لأن تحقيق الأرباح هو شغلها الشاغل؛ بدأت فكرته العبقرية أن يقرض الفقراء من ماله الخاص، فالحافز هنا هو حل المشكلات وليس تحقيق الربح. 
في عام 1976 كانت البداية بالقرية المجاورة للجامعة التي يُدرس فيها بتقديم قروض لـ 42 سيدة بقيمة 27 دولارا أميركيا لكل سيدة، ونجحت التجربة والتزم الفقراء بالسداد ثم امتد نجاح التجربة المذهل في عدد من القرى والمحافظات؛ ثم تحول المشروع في عام 1983 إلى (بنك جرامين) أو بنك الفقراء، حيث ساهمت الحكومية البنجلاديشية بنسبة 60% من رأس المال بينما 40% مملوكة للفقراء من المقترضين. وفي عام 2007 انخفضت نسبة الحكومة إلى 6% من رأس مال البنك، وأصبحت نسبة المقترضين من الفقراء 94%.
وبسبب بنك الفقراء انخفضت نسبة الفقر في بنجلاديش من 90% إلى أقل من 25% خلال أربعة العقود الماضية، وتشكل النساء 97% من عملائه. وتؤكد الدراسات أن 5% من عملاء «البنك» يتحركون خارج دائرة الفقر سنوياً. تجاوز البنك موطنه الأصلي بنجلادش وأصبح في أميركا والعديد من دول العالم يقدم خدماته وينضم إليه فقراء عفواً عملاء تمّيز جدد. حيث قدم خدماته لـ 23 مليون إنسان، وبهذه الفكرة الخلاقة ولمبادئه الإنسانية العظيمة حصل البروفيسور محمد يونس على جائزة نوبل للسلام عام 2006.
في بلادنا المباركة هناك عوز أقرت به الحكومة بشجاعة، وهناك نسبة بطالة بلغت في الربع الثاني من عام 2017 حوالي 12.8%، ولكن «خلك طبيعي أكثر» وتقبل وجود بند 77 الذي تتمترس خلفه الشركات لتسريح موظفيها بشكل جماعي لتزيد نسبة البطالة، وبالتالي يرتفع عدد المعوزين، ناهيك عن ارتفاع الأسعار وإقرار ضريبة القيمة المضافة.
أمام هذا كله نحتاج فعلاً إلى مبادرة وطنية كبنك المعوزين لحل مشاكل العوز وانعكاساته الخطيرة، وتحقيق التنمية المستدامة بعيداً عن قيود الفوائد والأرباح البنكية والشروط التعجيزية!

عن قسم المقالات

شاهد أيضاً

الذكرى ٨٨ -ملحمة وطن-

سلمان ظافر الشهري عندما تمر بنا الذكرى الثامنة والثمانين لتوحيد هذا الكيان العظيم -المملكة العربية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *