آخر الاخبار
[fikraticker]

الدين والتدين

تم كتابة الخبر بتاريخ : 10 / 02 / 18 الساعة : 4:36 م

  • عثمان الثويني

ليس من المستغرب في زمان ما أن تحدث طفرة أو انتكاسة في جانب من الجوانب التي تنظم الحياة الإنسانية، بل أن الغريب هو الاستمرارية على وتيرة واحدة مهما تغيرت المدخلات والمؤثرات المرتبطة بالبيئة والسلوك العام والقواعد الحاكمة والمنظمة، فالنظرية الاجتماعية حدثت فيها انتكاسات في عصر الجاهلية من وأد للأنثى، وفي العصور الوسطى في أوروبا تولدت الطبقية المجتمعية وانتشرت في أبشع صورها، وليس الحال ببعيد عن النظرية الاقتصادية التي كانت منزلقاتها الخطيرة عن تمكن أصحاب رؤوس الأموال من التحكم بلقمة عيش الفقراء وجعلوا الربا هو الجلاد على الرقاب، ولن نغفل نظرية الحروب التي كانت شناعتها ظاهرة في حرب البسوس والحروب الصليبية والاستعمارية التي قامت بها فرنسا وبريطانيا وإيطاليا، والحال هو الحال كذلك في النظرية السياسية التي كانت بذاءتها جلية في تمكن عرق معين من السيطرة على قرارات ومصائر الشعوب رغم عدم كفاءتهم على إدارة قطيع من الماشية، والحقيقة أن تلك النظريات كما أنها شهدت تلك الانحناءات أمام القيم الإنسانية الرفيعة إلا أنها شهدت طفرات كبيرة في ظل من احترم الإنسان وقيمته و بنى تصرفاته وفقاً لذلك.
إن الإنسان في طبعه ينحى منحى التشبث بعقيدة يؤمن بها أو فكرة ينطلق منها، فعقله الجمعي المتأثر بمحيطه من أفراد بني جنسه أو عرقه أو لغته يساعد الإنسان على اعتناق طريقة ما يسير بها شؤون حياته، ولا شك أن الفكرة التي تجمع ما بين الملموس والمحسوس والحقيقة والفضول هي التي يتجه نحوها الإنسان تلقائياً، ولعل (الدين) الذي يربط ما بين الحياة المعلومة وما بعد فراقها من حياة أبدية مجهولة هو أرقى اعتناق يمكن أن يعتنقه الإنسان سيبدأ بممارسات تجاه ذلك الدين تسمى (التدين)و(الدين) بحد ذاته يمكن أن يتم الحكم عليه من خلال مدى توافقه مع سليم العقل البشري من ناحية، ومع القيم الإنسانية الرفيعة من ناحية أخرى.فحين يقتنع الإنسان بدين معين هو يرى أن هناك انسجام ثلاثي ما بين عقله وقيمه ومبادئ ذلك الدين، فتلقائياً يتحول ذلك الانسجام إلى سلوك تديني يتحكم بالتصرفات والمعتقدات.
إن الحوار المهم يدور حول التراجعات التي يشهدها (التدين) في مجتمع يطلق عليه أنه (مجتمع متدين) إلى سنوات قريبة، ولكن قبل أن نشخص أسباب التراجع لا بد وأن ندرك أن التوصيف الذي يطلق على مجتمع ما هو توصيف نسبي راجع إلى الخلفية الثقافية للمصنف من ناحية، وإلى طبيعة الحقبة الزمنية التي تم التصنيف بها من ناحية أخرى،ولكن إن سلمنا أن التوصيف كان دقيقاً من ناحية اللفظ والمعنى والممارسة فإننا لا بد وأن نقر أن السبب الرئيس لتراجع التدين هو (التدين التقليدي) الذي ينشأ بسبب الولادة في مجتمع يعتنق ذلك الدين دون أن يتحقق الانسجام بين عقل الإنسان وقيمه ومبادئ الدين التي جبر عليها إجباراً عبر التقليد والعرف، فيأتي زمن ينشط فيه العقل بكثير من الأسئلة، أو تتغير القيم لدى ذلك الإنسان بسبب تغير مكانه أو حاله دون أن تكون مبادئ ذلك الدين مترسخة لديه في عقله ووجدانه فتنخفض مؤشرات التدين شيء فشيء وصولاً لمرحلة الانسلاخ من ذلك الدين.
ومما يجدر ذكره أن(التدين التقليدي) ليس هو السبب الوحيد فقط لكثير من علامات الاستفهام حول (التدين) اليوم،بل أن التعليم بمنظومته لم يعد سنداً للمجتمع في الحفاظ على هويته، فاستبدال المفاهيم الحاثة على التدين الصريح بعموميات وقشور لم تعد تسمن أو تغني من جوع، كما أن الاتكاء على من ليس بكفء في التعليم ولد لدينا العديد من الممارسات العقائدية والأخلاقية غير السوية، وتراجع دور مؤسسة (الأسرة) التي هي أساسات غرس سلوكيات (التدين) السليم في نواحي التربية وصقل الشخصية والإجابة على الأسئلة وغرس المبادئ وتعزيز المعتقد أنتج بعد ذلك مجموعة من الأجيال التي لا ترى الأسرة سوى مكاناً للعيش والنوم وغسيل الملابس، ومما أثر كذلك بالسلب على(التدين) هو انزواء الطرح (التديني) السليم وتراجعه عن سنة التدافع مع الأطروحات السقيمة،فاستبدلت مفاهيم العفة والحياء بالتفسخ ونزع الحجاب،وتراجع صوت القناعة والرضا بما سمه الله للإنسان أمام صوت (الفاشينيستات) الذي دمر قواعد العيش الإنساني البسيط البعيد كل البعد عن الأمراض النفسية بحب الكمال وعيش حياة ليس بحياته، وانزوت أخلاقيات النظام العام واحترام الكبير وذو الشأن وبرزت مظاهر العنف اللفظي والبدني والتطاول على ذوي المكانة والأرحام، في ما تناسى أهل الحق دورهم قام الله بمكين أهل الباطل عليهم في جولة من جولات المعركة الأزلية ما بين الحق والباطل.
إن غياب القضية المحركة لمجتمع ما،وانتشار الترف والرفاه، وانتهاء التحديات التي تهدد وجود الإنسان، وتنامي أوقات الفراغ دون وجود صحوة حكيمة بممارسات وأدوات تعيد الانسجام المفقود ما بين العقل والقيمة والمبدأ ستؤدي بلا شك إلى ما نراه اليوم من رعاية للإسفاف من قبل مؤسسات الدول والحكومات،واستخفاف في التنازل عن شعائر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهجوم شرس على (المتدينين) بسبب تمسكهم بانسجامهم مع (دينهم)، فقد قال قوم لوط من قبل (أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون).

رابط مختصر :

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

http://inma.net.sa/wp-content/uploads/inma-logo-web1.png

التقويم

يوليو 2018
د ن ث ع خ ج س
« يونيو    
1234567
891011121314
15161718192021
22232425262728
293031  

تويتر