الرئيسية / HOME / مقالات / من أنا؟

من أنا؟

  • عبدالله عبدالمحسن الأحمد

من أنا ؟
هل أعرف نفسي جيداً ؟
أم ما زلت في غيابة الجهل بنفسي ؟
لكل شجرة جذور خفية تستمد منها الغذاء، وهكذا الإنسان له ذاتاً باطنية، تستمد منها حياته ما تحتاجه من غذاء، ولو أننا فصلنا الواحدة عن الأُخرى لما قامت للحياة البشرية أية قائمة، لأنها حتماً ستجف وتذبل ثم تتلف وتفنى.
إن الإنسان هو الكائن الوحيد، الذي يملك هيكلاً لابد أن يحيا فيه، حقاً إنه يحيا في العالم، ولكن العالم يثير الصخب ويولد الملل، ولهذا سرعان ما يرتد إلى ذاته، ليحيا في عالمه الخاص الصغير، الذي فيه يشعر بالأمان والسلام.. وما هي الوحدة، التأمل، التفكير.. سوى كلمات نعبر بها عن أهمية الحياة الباطنية ومناجاة الذات!
والحق إن كل من اختبر عمق الحياة الباطنية، لا يهبط إلى مستوى مبهم في علاقات غير مجدية، ربما تسبب له تشوهات نفسية وخلقية، وهكذا تكتسب علاقته بالآخرين طابع التحفظ واحترام الذات، فلا يكون ثمة ثرثرة، أو فضول، أو تدخل بلا سبب في شؤون الآخرين .
كم من مرة يترك الإنسان نفسه نهباً للشهوات، أو عبداً لعادة، أو وظيفة.. وفى هذه كلها يشعر بقلق شديد يقض مضجعه، وفراغ طاغٍ يهدد سكينته فيتولد لديه إحساساً مريراً بالغربة، ليس عن غيره فقط ، بل وعن نفسه أيضاً! وهذه الغربة تولد لديه اشتياقاً أو رغبة، للجلوس مع نفسه ومحاورة ذاته، ليجمع شمل أفكاره المبعثرة، ويتخذ قرارته في مشاكله الملتهبة..
قد تقول إن الوحدة تناسب الفيلسوف الذي يبحث عن الحقيقة، والشاعر الذي يداعب ملاك أشعاره، والفنان الذي يهرب إلى عالم الخيال ليجسد في عالم الواقع إبداعاته، والعابد الذى يشبه شجرة وحيدة منطوية على ذاتها متجهة إلى أعلى، إلى الله.. أما أنا فإنسان عادي، عقلي فارغ، لا أملك أية حياة باطنية، ولا أستطيع أن أختلى ولو لحظة بذاتي، ومن الأفضل لي أن أظل في العالم الخارجي، حيث الناس والعمل والكلام الذي هو أفضل من الصمت المميت!
وليكن ما تقول! ولكن لا تنسى وأنت في غمرة نشوتك المتواضعة، أنك كائن خلقه الله بأحسن صورة وهل تنكر أن لك عقلاً كالفيلسوف، وحساً كالشاعر.. وقد يكون شعورك أرهف حساً من شعراء كثيرين، ولكنك لا تعرف قدراتك، والسبب: إنك لا تجلس مع ذاتك، ولو أنك صادقتها لعرفت كم تحمل من أنوار يمكن أن تضيء مدى الحياة!
نعترف بأن الصلة بين الداخل والخارج وثيقة، ولن تنقطع، فالإنسان لا يخرج من ذاته إلا ليعود إليها وهو لا يحقق أعماله في الخارج إلا ليزيد من خصب حياته الباطنية، ويضاعف من ثراء عالمه الداخلي.. ولكننا نؤكد أن الجلوس مع الذات ليس بالأمر السهل، فمن المعروف أن الإنسان قد يحاور فلاسفة وعلماء، ويقف ضد ملوك وأباطرة.. لكنه أضعف ما يكون أمام ذاته! فهل لنا أن نقول: إن أقوى ما يخشاه الإنسان هو ذاته!
والحق إن جلوس الإنسان مع ذاته يحتاج لقدرة كبيرة، ومن هنا كان المتدينون والمفكرون… أقدر من غيرهم على حياة الوحدة، بينما بقيت الوحدة في نظر الأغلبية شبحاً مخيفاً، ينفرون منه ويتحايلون على طرده أو هي مظهر من مظاهر الحرمان المرفوضة!
ولكن مهما اختلف البشر في شأن الوحدة الفردية أو التعددية الجماعية، فالواقع يؤكد إننا لا ندرك أنفسنا ونعرف حقيقة ذواتنا، إلا عندما ننفصل أو نبتعد ولو لفترة قليلة، عن الموجودات أو الأشياء أو ما يشغلنا.

عن قسم المقالات

شاهد أيضاً

البندري الحصين ‏بمرور ٨٨ عاماً من التقدم والتميز لمملكتنا الحبيبة نحتفي بتأسيس مجدها وتوحيد كلمتها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *