الرئيسية / HOME / مقالات / المقال لايقال

المقال لايقال

  • خالد بن فهد التركي 

حياتنا لا تتجسد بأقوال تكتب، وإنما بنتائج لأفعال تُمارس.
لاتلتفت لمن ينظُم الكلام ويتباهى فيه، ولا لمن يعطي الوعود لتزيد من شأنه، ولا لمن يتحدر من سلالة يقول كان فلان وفلان، ولا ممن يترجم مقولة من لغة لأخرى يسعى لأن يكون هو الأول بها ليعكس بها تنوع ثقافته، ولا لمن يشعر بعقدة النقص فيستند على ما قال هذا وذاك وترويه الأحرف وكفى، ولا من يؤتى طلاقة اللسان وفصاحته ويرتبك بتخبط بأعماله.
حقيقة مؤلمة أن نرى ركباً يتبع ذلك، ويتسارع في الدخول بتلك الجماعات، ويختصر على نفسه المجهود الذهني والحركي ليقول أنا مقتنع بهذا أو ذاك. قف لحظة واسأل ذاتك لا شخصك، هل قمت بما يقول؟ أو عملت يوماً على تبني المقولة والتماس أبعادها؟ هل جلست مقتنعاً بين أفراداً كانو على نقيض ذلك الشاطئ؟ هل وجدت عمق ذلك المعنى بخبرة لديك تكونت من تراكم ممارسات لنفس الشأن؟
مشكلة أن يكون العقل يردد مايقوله اللسان، وينطق اللسان بما لا يفهمه العقل، ويصبح كل ذلك من منطلق سمعت وأعجبني وها أنا أردد ماسمعت، أو كجهاز تسجيل على استعداد ليعمل ليل نهار ويردد أكثر من قدرة اللسان دون أخطاء ولكن حتماً ستتفق معي أنه لن يعلم ما يردد.
هنا نصل لنقطة تتفق معي فيها، إًذًا سأقول لك لماذا المقال لايقال! لأنه ببساطة نسخ قناعة شخص ولصقها لعقل شخص آخر، وقد تكون تلك القناعات تختلف في مضمونها وجغرافيتها ومرجعيتها التي قيلت فيها، لكننا بطبيعة الحال نرحب بأي كلام منسق أو وعود تالفة منظمة، قد لا توافق لتصل مع قائلها لعمقها لكن القشور جميلة في بعض الأحيان.
من المحتم علينا أن نكوّن خلاصة تجاربنا لا تجارب الآخرين مهما كانت الثقة فيهم وبخبراتهم المحترمة على أية حال، إلا إن الإنسان يصنع كيانه بيديه ويكتب تاريخه بأفعاله ويسطر ذلك كله بأثرٍ يغوص في عُمقِ مبادئه وجمال صنيعه على شخصه ومجتمعه، وهذه الخلاصة. ضع أثراً لك في مجتمعك لا على شخصك؛ فأنت راحل ومجتمعك باقٍ لن يكترث عقلائه بما كنت تقول أو بماذا كنت تنوي القيام به، لكن سيكون مجتمعك ممنوناً لك إن تركت أثراً يُضاعِف طاقته البشرية النائمة ويوقد أفكارهم ليبدأوا بما انتهيت عنده لا بما بدأت به.
ماسبق كان مدخلاً لعمق لن يُكتب صراحةً خشية أن يُفهم بما لم يكتب له، مازالت تلك طلاسم بسيطة لمن لم يتخذ موقفاً حازماً في شأنه بشتى الصور. هنا أدعوك لأن تقف وتكتب ما دار في خلجك أثناء قراءتك فهو حقيقة أهم من أن تتجاهله. نعم بعد كتابتك له اقرأ هذا المقال ولاتتناقله مع أحدٍ قد لا يفهمه لأنك ستحرق به جزءاً كان تجاهله مراراً وسيتخذ موقفاً قد أكون أنا المتضرر منه أولاً ثم أنت، لكنك لاتزال ترغب في أن يقرأه ذالك الشخص الذي قد طال فهمك له أو العكس. ابدأ بنفسك الآن وأسمح لي أن أشاركك فكرة ألمحتُ لها دون تعمق سأُعيد ذلك الإلماح بشكل موجز، وشاركه مع من كنت تخشى قراءته لك.
أنت الآن وأنا كذلك نتسابق جميعاً لكل الفرص لكن ما أنت عليه الآن لاينطبق علي وقد يكون العكس وأنا أجهل منك فيما أنت أعلم به مني، أعلم أنه كلاماً إنشائياً بحتاً لكن لماذا توقفت عند تلك الجملة التي أربكت فيك توازنك للحظة؟ اعلم أن ذلك نتيجة صدى يردد داخلنا جميعاً ويقول أن الخوف من الفشل خلال المنافسة هو مرض متفشي بين الغالبية، لكن من سيطر على ذلك لن يقف مجدداً عند تلك الهضبة التي تعيق رؤيتك وسيتجاوزها دون خوف قفزاً أو زحفاً أو تسلقاً على صخرة مجاورة لها. أكمل ما تبقى فالطريق أمامنا واحد تختلف التضاريس فيه باختلاف همتنا وقوتنا فأنت أقوى حينما تشعر بذلك وتستجمع كل تلك الهبات الداخلية وتستنفر كل طاقاتك اللامرئية وتعمل بأكثر من خطة مصنفة حسب الوقت والزمان وطبيعة المكان.
ها قد وصلنا إلى رؤية تحقق نصفها وأتضح صلبها وبقي أن نرسم أُطراً لها، مختصراً عليك كل تلك المسافات والديباجات المنمقة أعيد القول بأنك ما تشعر به الآن سيكون معك أو ضدك بعد قليل أو غداً. أشعر بنجاحك واستمرارك وفق أي تضاريس تقابلك وبأي طريقة نجاح ستعمل بها وعند أي ركن ستقف تراجع بعض أفكارك. لا تقف، لا تمسك بنفسك بينما هي تجمح صاخبة للنجاح ولا يوقفها سوى ذلك الصوت الذي يقول لك انتبه، لا تنتبه، لا تُعر ذلك الصوت أي جزءٍ من مشاعرك، أنت طاقة بشرية مكبوته تنفجر في الطريق الذي ترسمه لها وحسب قناعتك في بحر النجاح، ولا تستسلم لأي فكرة سلبية واعمل على الضِد مباشرة. حينما تشعر أنك لست في المكان الصحيح، ولا الزمان المناسب إذاً غير مسارك بسرعة البرق واستخدم إحدى الخطط البديلة بشكل عاجل. وقوفك على حد هاوية ليس النهاية هو بداية لاكتشاف مكانٍ آخر ستذهب وتقف على أعلى مكانٍ به ثم ستبحث عن شاهق آخر. هي الحياة ترسم تحديات لنا ونحن من يكتب النهاية حسب رغبتنا بالنجاح.
حينما ترى أن الأفعال تظهرُ بالنتائج بغض النظر عن سلبيتها وإيجابيتها، سترى أنك تسعدُ وتُسر بها، لأننا نتعلم من تلك السلبية فقط، ونحتفل بالإيجابية.

عن قسم المقالات

شاهد أيضاً

47608805-A94D-40A7-B40E-EDF52A8DF320

الموت الأزرق

ندى الشهري لُعبة في الفضاء الالكتروني الملوث تسببّت في حالاتِ وفاةٍ وانتحارٍ مُرَوِعٍ بين الأطفال …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *