الرئيسية / HOME / مقالات / أفكار حول عقلانية المستهلك

أفكار حول عقلانية المستهلك

  • هيفاء محمد الظاهري

“المستهلك يعرف قيمة ما يشتري” كطالبة اقتصاد، سمعت هذه الجملة أو الفرضية مرارًا في بداية بعض المقررات الدراسية، حتى أنها تُعتبر من الفرضيات الأساسية التي تُتبنى لبناء نموذج طلب المستهلك الاقتصاد، ولكن بعض الظروف التي تمر بها في الحياة العملية كمستهلك تجعلك تتساءل عن صحة هذه الفرضية.

مرت هذه الفرضية على مسمعي في يوم الخميس الماضي وقد كنت للتو بدأت سلسلة اختباراتي النصفية الثانية، فأحببت أن أختبر صحتها بطريقتي البسيطة، أثناء ما كنت أمر بفترة الاختبارات العصيبة قررت أن أخبز “كوكيز ” بنفسي لسببين الأول لتصفية مزاجي والثاني لحساب ما يكلفه طبق كوكيز الواحد. بداية، هذه الفرضية تقوم على أن المستهلك دائما اقتصادي أو يتحلى بـ”الرشد” الاقتصادي وقرارات شراءه مدروسة أو “عقلانية”. وبدوري كـ”مستهلك عقلاني” فكرت لأي متجر أذهب لشراء مستلزمات خبز الكوكيز بأقل سعر، فسألت والدتي عن توصياتها عن أي متجر أضمن فيه شراء جميع المستلزمات بأقل سعر موجود بالسوق ولكن لم أستطيع الخروج بإجابة مرضية، حيث أن مثلا شرائح الشكولاتة “Chocolate Chip” في متجر رقم (1) بـ12.95ريال وفي متجر رقم (2) بـ10.75 والزبدة “Butter” في متجر رقم (1) بـ5 ريال ومتجر رقم (2) بـ3 ريالات، بمعنى أنني لم أكن قادرة على العثور على متجر يضمن لي أقل الأسعار لجميع السلع. ومن خلال رحلتي عن البحث عن السلع هذه بأقل الأسعار لاحظت أن هناك تباين واضح بالأسعار بين بعض السلع التي تشبع لك نفس الرغبة في نفس المتجر، وتباين أيضا في الأسعار بين المتاجر لنفس السلعة تماما، حينها اكتشفت أن أكثر فرضيات الاقتصاد الجزئي شهرة قد تكون غير عملية، حيث أني لم أكن قادرة على تقدير سعر السلعة ولم أستطيع الوصول للمتجر الذي يضمن لي أقل سعر لكل مستلزمات خبز الكوكيز.

كما أنني لاحظت أن بعض النكهات تكون بسعر أعلى من نكهات أخرى، ليس لأن تكلفتها أعلى ولكن لتوجهات الذوق العام لها، ذوق المستهلكين وعاداتهم تؤثر دائما على قرارات الشراء من جانب الطلب، وتؤثر أيضا على الأسعار من جانب العرض! وهذا لم نتطرق له في نظريتنا، مما ذكرني بصورة لدمية باربي الشهيرة، حيث عُرضت الدمية الشقراء بسعر أعلى من سعر الدمية السمراء في بعض الولايات في أمريكا، قد يعكس هذا عنصرية المنتجين ولكن يمكن أن يُفسر بشكل اقتصادي، فبحسب قانون الطلب والعرض فإن الطلب على “باربي الشقراء” أكثر من الطلب على “باربي السمراء” بالتالي ارتفع سعرها أي أن المجتمع الذي يطلب دمية باربي الشقراء هو الذي يتصف بالعنصرية، و إلقاء اللوم فقط على المنتجين يتناقض مع قانون الطلب والعرض الشهير، كما أن السعر يعكس أحيانا العادات وتوجه الذوق العام في المجتمع، وهذا الذي لم تآخذه النظرية في عين الاعتبار.

وكما أن التعقيد وقصر المعلومات الذي يواجهه قراري في الاختيار والشراء لا تقوم النظرية بتفسيره، أثناء اختباري للفرضية كان لدي خيار الذهاب للمتجر الذي يبعد عن منزلي 5 دقائق أو الذهاب للمتجر الذي يبعد 10 دقائق! فعامل المسافة حد من خياراتي لنفس السلعة حيث أنني بحثت في متجرين فقط وأنا كنت أنوي الذهاب لثلاث متاجر على الأقل. بمعني أنه كان بالإمكان أن اختار بين 10 سلع مثلا ولكن اخترت بين 5 سلع فقط، وبالتطرق لنظرية البحث الاقتصادية التي تتحدث عن تكلفة البحث، لنفترض أن المتاجر كلها تبعد عن منزلي 20 دقيقة، فكيف تعتقد أن المسافة (وتكلفة الفرصة البديلة المرتبطة بين المسافة أو توافر معلومات أكثر) أن تغير سلوكي في البحث؟ وكيف ستغير سلوك التسعير للمحلات؟

يقوم الاقتصاديين بإنشاء نماذج الهدف منها التوصل لنتيجة لتعميمها وتكون ناتجة عن بعض الافتراضات التي يصفونها باستجابة أو ردة فعل المستهلك “النموذجية”، فسلوكي في هذه الحالة ليس ما يعنيه الاقتصاديون بالسلوك النموذجي، حتى أنه قد يراه البعض سلوك غريب! وحتى بافتراض أن المستهلك نموذجي أو “عقلاني”، هل افتراضات نموذج الطلب والعرض ستتناسب مع هذه الفرضية دائما؟ في كثير من الحالات، يعطي نموذج العرض والطلب التقليدي نتائج دقيقة، ولكن في بعض الأحيان يكون افتراض عقلانية المستهلك غير مناسب، من المهم فهم كيفية تغيير السلوك في حالة اختلال أي افتراض، لا يتضمن النموذج الكلاسيكي أن المستهلكين يبحثون عن الأسعار، بل يفترض أنهم يعرفونها فقط، وكاقتصاديين، غالباً ما نفترض وجود المعلومات كاملة فعندما لا يكون لدى المستهلكين معلومات كاملة في الحياة العملية فإن سعر السوق لا يتطابق عادة مع سعر التوازن الذي يتوقعه النموذج. والنتيجة، في معظم الأوقات، يكون السوق غير فعال (على عكس ما يوحي به النموذج).

في الاقتصاد، يعتمد كل استنتاج نستخلصه من نموذج على الافتراضات المستخدمة لبناء هذا النموذج، عندما ندرس نموذج جديد، نقوم دائمًا بسرد الافتراضات التي تم وضعها والتركيز على كيفية تغير النتائج في حالة إزالة الافتراض فإن فهم العلاقة بين الافتراضات والنتائج هو الخطوة الحاسمة لتطبيق ما نتعلمه من النظرية واستخدامه لفهم ما يحدث في العالم الحقيقي او العملي. ويمكن تلخيص التساؤلات التي طرأت علي في رحلتي للتحقق من النظرية كالتالي:
1- المشاكل المرتبطة بعدم كفاية المعلومات وعدم اليقين كثيرة وهذا قد يصعب على المستهلكين اتخاذ قرارات عقلانية. فعلى ماذا يعتمد المستهلك العقلاني في اتخاذ القرارات؟
2- السلوكيات الفردية أو الجماعية جدا معقدة، وهناك العديد من النظريات والدراسات تفسرها بشكل افضل، لماذا لا يتم تبنيها لبناء نماذج طلب المستهلك بدلا من افتراض عقلانية الاختيار؟
3- العادات والطبائع الاجتماعية قد تفسر الكثير من السلوك الفردي، وبمجرد أخذها بعين الاعتبار ببداية النموذج قد تمكننا للتوصل لنتائج أكثر تطورًا.
4- من مشكلات نظرية الاختيار العقلاني هي افتراض أن المستهلك دائما راشد او عقلاني في جميع قراراته. ولكن ماذا إذا تم افتراض العكس ليشمل النموذج جميع القرارات العقلانية وغيرها ليصبح جزءًا من النموذج؟

أحيانا يتخذ المستهلكين خيارات وقرارات يرون أنها عقلانية ولكن لا تعتبرها النظرية عقلانية، لأنها لا تعتبر الظروف والحالات التي يتخذ فيها المستهلك هذا القرار والتي يكون لها تأثير كبير على ما إذا كانت هذه القرارات عقلانية أم لا. كما تؤثر قيم ومعتقدات المستهلك ومجتمعه على عقلانية قراراته. وفي النهاية، لا يقوم المستهلك باتباع الخطوات النظرية للوصول لقراره العقلاني وانما يقوم باتخاذ قراراته بتأثير ظروفه وقتها، طالما أن القرار المتخذ سيؤدي إلى أفضل نتيجة ممكنة من رأيي هذا وصف ادق لعقلانية الخيار.. فمن وجهة نظري، العقلانية نسبية، حيث يمكن للمستهلكين أن يكونوا عقلانيين وغير عقلانيين في اتخاذ القرارات من وقت لآخر.

عن قسم المقالات

شاهد أيضاً

فرحة مملكة وبيعة ملك

سلمان بن ظافر الشهري يحتفي الوطن والمواطنون والمقيمون بالذكرى الرابعة لتولي سيدي خادم الحرمين الشريفين …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *