الرئيسية / HOME / مقالات / تطبيقات لعلم النفس في شبكات التواصل

تطبيقات لعلم النفس في شبكات التواصل

  • نايف القناص

يجب أن لاننسى حقيقة أن المجتمع الرقمي مكون من أفراد واقعيين لهم ذات الطباع البشرية وردود الأفعال النفسية، التي قد تختلف قليلاً عن الواقع لكنها تتشابه معه لحد كبير.
لذلك بإمكانك استعارة عدة تطبيقات من علم النفس لتفعيلها عند استخدام شبكات التواصل ستحسن من تفاعلك وتعايشك وتجاربك، وكذلك تأثيرك وصورتك وسمعتك الإلكترونية.
بعض تلك التطبيقات مستمدة من الحياة الواقعية، وقابلة للتطبيق خصوصاً في علاقاتنا الاجتماعية والعملية، وبكل الأحوال ستنعكس عليك بشعور أجمل واستجابة أفضل كلما طبقتها باحترافية وذكاء.

العطاء والجزاء:
الناس عموماً يشعرون بأنهم مجبرون على رد الجميل الذي يقدم لهم بشكل مبادرة بدون ثمن ولا طلب، وعادة يتجاوبون معه بتلقائية، وهو شعور إنساني قوي بالإلتزام الذي قد يكون نمى بداخلنا ككائنات اجتماعية.
ربما لا يمكنك إلزام أحد بهذا التصرف، لكنك غالباً ستحصل على نتيجة مرضية في معظم المواقف، فمن خلال تقديم القليل من اللطف بهدف تحفيز غريزة المعاملة بالمثل، سيتجاوب الجانب البشري لدى المتلقي مع تلك البادرة ويحاول مجاراتها وربما تستفزه لإبداء أفضل منها تجاهك.
وقد جربت هذا شخصياً فكانت النتائج إجمالاً مجدية وتستحق التطبيق في جميع الحالات، وقد تأسر متابعيك بهذا السلوك كلما كنت متفاعلاً أكثر مثلاً بالإعجابات وإعادة نشر ما يكتبون والثناء على ما ينشرون.

التوافق والالتزام:
يلتزم الشخص مع الأشياء التي يراها تعكس ذاته وتمثله، فيرتبط بها ويتسق معها ويدعمها ويؤيدها.
فهناك واجهات نرى فيها هويتنا أو مفهومنا الشخصي للحياة، فتلك النماذج تؤثر على تفاعلنا عندما تدخل محيط حياتنا، لذا فإن مبدأ التوافق والإلتزام يسري عادة بمجرد أن تنشأ رابطة بين الإنسان وما يعتبره ممثل له ومعبر عما بداخله، فيشعر بالانسجام معه بل بالولاء له والارتباط العاطفي معه حتى يصبح جزءا منه وملتزماً بمؤازرته حتى لو كان ذلك النموذج غير مصيب أحياناً.
من الأمثلة على ذلك: جيوش المعجبين للمشاهير وللبرامج ذات الطابع الشعبي، فتلك الجيوش قد تقوم فعلياً بشن هجوم كثيف وقاسي على كل من يمس تلك الشخصية أو البرنامج أو النموذج ولو بمجرد النقد أو عدم الاتفاق معه، لشعورها بأنه يمسها بذاتها وينتقدها شخصياً، لذلك من المعزز والداعم لك أن تهتم بالتوافق مع الفئات المستهدفة لتكسب التزامها ودعمها وانتمائها لك ولرسالتك.

تقليد الجماعة:
عندما نكون محتارين في كيفية التعاطي مع موقف أو ماذا نلبس أو كيف نتصرف، فإننا نتجه تلقائياً للبحث عن إرشادات عما يفعله الناس عادة في تلك المواقف أو ما يلبسونه في مناسبة مماثلة.
وهذا يسمى مبدأ”المرجع الاجتماعي”، إننا نرغب أن نكون في إطار مقبول من الآخرين ومرغوبين، حتى لا نتعرض للانتقاد اللاذع أو النبذ والتجنب.
فنعمد لتقليد المشاهير عادة باعتبارهم شخصيات تمثل صوراً مثالية لما يعجب العامة، وفي حالات أخرى نقلد الأغلبية ونثق برأي الأكثرية دون تدقيق وتحقق شخصي من ملائمة أو سلامة سلوكهم وآرائهم. فنجد بعض المتاجر الإلكترونية الكبيرة تطبقه بالتلاعب في تعليقات المستخدمين، والإعلانات،والمؤتمرات و أحيانا بصيغة :”العملاء الذين اشتروا هذه البضائع اشتروا هذه وتلك معها “.
ومثال آخر حي نعيشه: هو المتابعين لحركات وموضات وتوصيات “الفاشنستا” دون التساؤل بكونه مناسباً أو ممكناً أو مقبولاً.

الثقة المتبادلة:
عندما تفاجئ الشخص المقابل بعبارة تفيد بأنك تثق فيه أكثر مما يثق الأخرون بأمثاله، تكون استجابته لذلك ثقة موازية بك، بل ربما يحاول مكافئتك على ثقتك بطرق أخرى. مثال ذلك: عندما طبقت بعض الشركات تلك الطريقة لتسويق وجذب العملاء بعبارة:”إذا لم يعجبك المنتج فسنرد لك ثمنه”، وكانت النتائج ارتفاع المبيعات بنسب عالية، مقابل حالات استرداد شبه معدومة إن لم تكن صفراً لدى معظم الشركات.
إن العميل عموماً منطقي ويدرك أنه من واجبه أن يحصل على سلعة مقابل ثمن يدفعه، فبتقديم تلك الثقة له مع المنتج تعطيه شعوراً بالمسؤولية ليرد لك مثلها ويكون أميناً جداً معك.
بالإضافة لكونها تحمل رسالة أخرى تفيد بأن الشركة تقدر لعميلها اختيارها وتجربته منتجاتها، فهو أيضاً تقديراً متبادل.
أما على مستوى الأفراد فبعض الكتاب والمدونين والمغردين يعيد نشر آراء متابعيه ولو كانت مخالفة لرأيه وتوجهه، ويستشير متابعيه في الكثير من الأمور قبل الكتابة عنها ومناقشتها. فهو يبعث برسالة إنني أثق بكم وأفكاركم ونواياكم الطيبة تجاهي، فيكسب ثقة وولاء ومحبة جمهوره الذي يرد له ذلك باعتباره مصدراً موثوقاً.

الندرة والسرية والتميز:
يتعاظم تقديرنا وتمسكنا بالأشياء عند شعورنا بندرتها أو تميزها، فالبضائع النادرة أو التي قاربت النفاد تصبح ذات قيمة أعلى؛ وبالتالي يرتفع سعرها، إنه شعور غريزي بحب التعلق والاحتفاظ بالأشياء عندإدراك أنه قد يتم فقدها وانقطاعها للأبد.
وكذلك ما نعتقد أنه سري جداً أو مهم جداً لجماعة أو لأفراد، يكون ذا قيمة مختلفة ولا ينطبق عليه معيار التكلفة للتسعير، ونرى نماذج لاستغلال ذلك في كل مكان تقريباً، بدءًا من يوم الجمعة السوداء الذي يتمحور حول أسعار منخفضة جداً لكميات محدودة جداً، كذلك في المسابقات والجوائز والعروض الحصرية.
وأيضا في حالة المحللين السياسيين والاقتصاديين والخبراء في المجالات المهمة للناس، حيث يقدمون محتوى متميز ونادر وحصري، فيجدون إقبالاً واهتماماً وتأثيراً واسعاً.

إظهار جانبك البشري:
يميل البشر لمن يشابههم أو لمن يرون انعكاس أنفسهم فيه حتى لو كان فيها من جوانبهم الضعيفة وغير الـداعية للتفاخر بها. ومع أن الظهور بصورة مثالية أمر محبب، لكن الاعتراف بالأخطاء والمعاناة والمصاعب التي تصيب كل البشر بلا استثناء، يعطي انطباعاً للآخرين بأنك جزء منهم وتعرف ما يعيشونه وما يقاسونه، فعندما تشاركهم مواقفك الطريفة ولحظاتك القاسية؛ ستجدهم يستجيبون لك عفوياً ويرحبون بك بينهم بكل مودة، فتتحول للناطق المحبب عنهم والمقرب لقلوبهم، حتى لو اختلفوا معك في بعض الأفكار والتصرفات، فإنهم يعتبرونك صديقاً في مستواهم وفرداً في مجموعتهم.
بعض الإعلانات تستغل هذا المنطلق فتقول للعملاء إننا منكم ونتفهم احتياجاتكم فنقدم لكم حلولاً وتسهيلات تلائمكم. والكثير من المؤثرين اتخذ هذا السلوك بالحديث عن المواقف التي يمر بها في يومه وسرد ذكرياته أو مشاركة همومه ومشاكله الحياتية، وأطعمته الشعبية المفضلة مع المتابعين، فيلقى رواجاً كبيراً وقبولاً من جميع الفئات والأطياف.

إن من واجبنا أن نتواصل بشكل مسؤول وأن نفعل الصواب دائما تجاه جمهورنا وفي مصلحة مجتمعنا وثقافتنا. لن يتوانى أي مؤثر صادق في وسائل التواصل الاجتماعي عن استخدام مبادئ علم النفس للتأثير بالمستهلك بشكل إيجابي، ولكن للأسف لا تزال العديد من الشركات تنتهج سلوكيات مستنبطة من علم النفس لخداع الناس والتلاعب بالحشود من أجل تحقيق مكاسبهم الخاصة.
إنه سلوك مسبب للفوضى والإرباك، ناهيك عن كونه محفوفا بالمخاطر من إثارة حملات مضادة أو مقاطعات أو هجرة جماعية للمنافسين.
فبمجرد أن تتزعزع أو تسقط ثقة العميل بك، فقد تكون قد خسرتها للأبد، لذا إن توظيف تلك التطبيقات المذكورة وغيرها من علم النفس، للخير وليس للشر، يعود بالنفع والإفادة للجميع ويساهم في استدامة التأثير الإيجابي المحفز للتطور والتحسين.

عن قسم المقالات

شاهد أيضاً

5 قضايا يتفق عليها النخبة المثقفة في أزمة التعليم

عيسى وصل لعل اليومي العالمي للمعلم الذي يوافق 5 اكتوبر أثار قريحتي الكتابية ووجدت فيها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *