الرئيسية / HOME / مقالات / تأهيل الشباب المقبلين على الزواج

تأهيل الشباب المقبلين على الزواج

  • د. حسن مشهور العنزي

تأهيل الشباب المقبلين على الزواج ترف أم ضرورة ؟؟

يعتبر الزواج من أهم النظم الاجتماعية وأعظمها شأناً في حياة الإنسان والمجتمع فمن رحم الزواج تتوالد الأسر لتشكل المجتمع، فالتزاوج والتناسل هما ضمانة استمرار المجتمع وديمومته، ويعد الزواج أرقى آلية صاغها الخالق -عز وجل- لتكوين أهم خلية في بناء المجتمع وعلى أسس مقبولة ومنظمه تبرر شرعية العلاقة بين الرجل والمرأة، وهي الفطرة الإلهية التي فطر الناس عليها، فلا يمكن أن تستمر الحياة إلا بالزواج الدائم. قال تعالى: (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة). الروم٢١.
إن موضوع حديثنا اليوم عن التأهيل الزواجي تكمن أهميته في أنه يمس شريحة الشباب والفتيات كأهم شرائح المجتمع وعماده، والتي تشكل في مجتمعنا أكثر من نصف عدد السكان علاوة على النتائج المتوقعة منه في خفض نسب الطلاق وتبعاته على المرأة والطفل والمجتمع بشكل عام، فكل شاب وفتاة إنما يسعيان بالزواج للحصول على السعادة والنجاح الزواجي واستمرار العلاقة. كما من الخطأ الاعتقاد بأن برامج التأهيل الزواجي خاصة بالمقبلين والمقبلات على الزواج؛ بل هي أيضاً مهمة لنا جميعاً.
لتقوية العلاقة الزوجية، وجودة الحياة الأسرية للمتزوجين حديثًا وقديمًا (تحديث وتنشيط). إن التبدل والتغير هما السنة الثابتة في حياة المجتمعات، ولقد تعرض مجتمعنا -كغيره- لمتغيرات عدة ثقافية واقتصادية وتقنية ساهمت في خلق أنماط فكرية وسلوكية إيجابية وسلبية، وبات مجتمعنا اليوم أكثر انفتاحاً عن ذي قبل مما يعني أهمية المواكبة والاستفادة من تجارب من سبقونا في مجالات الحياة المختلفة، ومنها موضوع تأهيل الشباب والفتيات وإعدادهم المسبق للزواج والحياة الأسرية. إن المتأمل للواقع يلاحظ بأن الكثير منا يحرص على دخول دورات تعلم مهارات الكمبيوتر والإدارة المكتبية والخياطة والتجميل … إلخ، ولكن قلما نفكر بأننا بحاجه إلى دورة نتعلم منها كيفية إدارة الحياة الزوجية والأسرية لاعتقادنا الجازم بأن حصيلتنا من التجارب والوصايا الجاهزة من أصدقاءنا ومحيطنا الاجتماعي هي كافيه لخوض التجربة! بل ويظن الغالبية من الشباب والفتيات أن الزواج عملية تلقائية لا تحتاج إلى استعداد أكثر من تجهيز الشقة وحجز قصر الأفراح وشراء الملابس وزيارة صالون التجميل!
إن حالات الطلاق المتزايدة -وفي أغلبها قد تكون لأسباب تافهة- تدحض الفكرة السابقة وتدل على نقص المعرفة وضرورة التأهيل والإعداد حيث سجلت المحاكم السعودية حوالي ٥٣ ألف حكم طلاق في عام ٢٠١٧ بمعدل ١٤٩ حالة طلاق في اليوم، وأن ثلث المتزوجين الجدد مطلق أو في طور إجراءات الطلاق (سبق ،مارس ٢٠١٨) كما أشار أيضا التقرير البياني لوزارة العدل في جمادى الآخرة ١٤٣٩ بأن إجمالي عقود النكاح بلغت ١٠٤٩٠ بينما كان إجمالي صكوك الطلاق ٥١٥٨ بمعدل النصف مع التحفظ على الأرقام. ويظهر لنا من خلال الملاحظة والممارسة أن عوامل مثل سوء الاختيار ونقص المهارات وغياب الثقافة الزواجية هي قاسم مشترك بين الكثير من حالات الطلاق. ولهذا أصبح تأهيل الشاب والفتاة وإعدادهم للحياة الزواجية ضرورة ماسة، وإن نتائج التجارب المحلية والعالمية أيدت أهمية عقد هذه البرامج وأثرها المباشر في الاستقرار الأسري وخفض نسب الطلاق. ففي مدينة الاحساء ساهمت برامج التأهيل الزواجي في انخفاض نسبة الطلاق من ٢٠٪‏ في عام ١٤٢٦ الى ١٤٪‏ لعام ١٤٢٨ حسب جمعية التنمية الأسرية بالأحساء، كما أثبتت دراسات علمية أجريت في مدينة جدة ومنطقة القصيم على من حضروا البرنامج التأهيلي بعد عام من زواجهم، فتبين أن نسبة الطلاق بينهم لا تتجاوز ١،٧٪‏ ولقد لمست ذلك من خلال تجربتي الشخصية في التدريب في الكليات الجامعية. ومن التجارب العالمية ما قامت به ماليزيا الإسلامية من إلزام المقبلين على الزواج من الجنسين بدخول معاهد خاصة للتأهيل للزواج منذ عام ٢٠٠٠م فكل شاب وفتاة لابد من خضوعهم لدورة ثم يحصل الشاب على رخصة الزواج كشرط أساسي لإجراء عقد الزواج لدى القاضي مما ساهم في انخفاض نسبة الطلاق في ماليزيا من ٣٥الى ٧٪‏ فقط. وفي مملكتنا الحبيبة هناك جهود طيبه تبذلها وزارة العمل والشؤون الاجتماعية تمثلت في إصدار حقيبة خاصة لتأهيل الشباب والفتيات وإعداد المدربين ودعمت إنشاء جمعيات الزواج والتنمية الأسرية وهي بحاجة لأن تتكامل جهودها مع باقي مؤسسات المجتمع المعنية لتحقيق الهدف المنشود.
واختتم مقالي بأهمية أن تتضمن مناهج التعليم العام والعالي مسارات تساهم في زيادة الوعي الأسري والزواجي، وضرورة إلزامية مثل هذه البرامج أسوة بالفحص الطبي قبل الزواج ومن خلال عقد شراكات بين وزارات مثل: العمل والعدل والصحة والتنمية الاجتماعية. وإن أرقام الطلاق المقلقة لنا جميعاً يجب أن تحفز المؤسسات الرسمية وغير الرسمية التربوية والاجتماعية والإعلامية للدفع بهذا الموضوع الهام لأعلى سلم الأولويات وبؤر الاهتمام ودوائر القرار ومراكز الأبحاث والدراسات.
وصلى الله على سيدنا محمد.

عن قسم المقالات

شاهد أيضاً

هل انت مصاب بمتلازمة الواتساب؟

محمد العتيبي في أحد الأيام دعاني أحدهم للانضمام في مجموعة على الواتساب المهتمة بالثقافة والفكر-على …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *