الرئيسية / HOME / مقالات / الاحتطاب.. من يعلق الجرس ؟

الاحتطاب.. من يعلق الجرس ؟

  • د. عبدالرحمن عبدالله الصقير

أكاديمي ومشرف رابطة آفاق خضراء

بالرغم من توالي القرارات التي تمنع الاحتطاب وتفرض عقوبات صارمة على نقل الحطب والمتاجرة به إلا أن تجار الحطب من مواطنين ووافدين يشمرون عن سواعدهم متسلحين بالفؤوس والمناشير بأنواعها المختلفة في سباق محموم للقضاء على ما تبقى من أشجار وشجيرات متناثرة هنا وهناك تشحن بها السيارات التي تجوب شوارع المدن والقرى وهي محملة بـ”جثث” لنباتات كانت في يوم من الأيام ملاذا ومأوى للطيور والكائنات البرية الأخرى ومصدرا لغذائها، ورئة ً تتنفس بها صحارينا المترامية ، وسدا طبيعيا يقلل من مخاطر الرمال المتحركة و السيول الجارفة ، ومصدرا لخصوبة التربة وحفظها من التدهور ، ومراع خصبة  ذات اهمية لا تقدر بثمن ولا يمكن تعويضها .

يتم القضاء في ساعات معدودة على أشجار استغرق نموها عشرات السنين ، حتى بات أحدنا يقطع عشرات الكيلومترات في بعض المناطق دون أن يرى عوداً أخضر ، و حتى انقرضت أو كادت الكثير من الأشجار و الشجيرات  ذات الأهمية البيئية الكبيرة ، وتدهورت تبعا ًلذلك التربة و الحياة البرية ، وتناقص التنوع الحيوي بدرجة كبيرة ، و أصبحنا قي قلب كارثة بيئية قد لا يدرك الكثيرون أبعادها ( يقدر ما تم تدميره بالاحتطاب بما يزيد عن 3300 هكتار من الأشجار وهذا يعادل خسارة مليارات الريالات) ، مما يتطلب موقفاً صارماً لا يستثني أحدا ًلوضع حد لهذا الاستهتار بهذا المورد الطبيعي الحيوي، حيث وصفت تجارة الحطب في المملكة بأنها نوع من أنواع الارهاب البيئي وهو وصف لم يجانب الصواب لهذا العبث والمعادلة المقلوبة حيث تزدهر تجارة الحطب في منطقه هي من أكثر مناطق العالم جفافاً و أقلها أمطاراً و بالتالي أقلها غطاءً نباتياً، وحيث يتسابق العابثون على تجريد صحارينا مما تبقى من أشجارها و شجيراتها بكل ما أوتوا من قوة  غير مبالين بفداحة الكارثة التي يتسببون بها هم و من يشاركهم من العمالة الوافدة ، حتى  أصبحت صحارينا أكثر جفافاً و مراعينا أسوأ حالاً.

ورغم كثرة القرارات والأوامر والأنظمة والضوابط التي وضعت لتحد من هذه الظاهرة ، إلا  أن الوضع لم يتغير بل ربما ازداد سوءً عن ذي قبل حيث تتزايد أعداد السيارات المحملة بالحطب عاما بعد عام ، وهذا يتطلب وقفة جادة وتفعيلا ملموسا للقرارات والعقوبات الرادعة، وتعاونا وتنسيقا بين الجهات ذات العلاقة، وقبل ذلك وبعده نشر الوعي بأهمية الأشجار ودورها البيئي البالغ الاهمية وضرورة الحفاظ عليها لخير هذا الجيل وللأجيال القادمة ، وللتأكيد على خطورة الكارثة البيئية التي يسعى البعض – بسبب الجهل او بدافع الجشع –  إلى دفعنا اجيها. ورغم أن الجهات ذات العلاقة كوزارة الزراعة والهيئة الوطنية لحماية الحياة الفطرية وغيرها تدرك تماما خطورة الوضع وأبعاده المختلفة وتسعى لتدارك الوضع بوسائل مختلفة وتشجيع استيراد الحطب وذلك تفعيلاً لقرار مجلس الوزراء القاضي بإعفاء الحطب والفحم المستوردين من الرسوم الجمركية وتكليف وزارات الداخلية والزراعة والشؤون البلدية والقروية والهيئة الوطنية لحماية الحياة الفطرية وإنمائها بإحكام الرقابة في جميع مناطق المملكة على مزاولة نشاط الاحتطاب وفي مراحله كافة بما في ذلك النقل والبيع، على الرغم من ذلك كله يظل الوضع على حاله ، ويبقى التأثير الملموس لتلك النظم والقوانين دون المستوى المطلوب .

والغريب في الأمر أن دولا ًذات بيئات نباتية اغنى وأكثر تنوعا من بيئتنا النباتية الشحيحة تطبق انظمة وعقوبات اشد صرامة ضد العابثين بالأشجار ، فعلى سبيل المثال اُقر في ماليزيا قانون يقضي بالسجن عشرين عاما لقاطعي الاشجار وذلك للحد من القطع الجائر وغير المصرح به للأشجار في غابات ماليزيا الاستوائية، وفي بريطانيا تم تغريم المواطن نيل دافي  بمبلغ 125 ألف جنيه إسترليني نظرا لقيامه بقطع شجرة كبيرة من أمام منزله دون الحصول على الموافقة، كما أدركت كثير من دول العالم العواقب الوخيمة التي نتجت من ريم التساهل في إزالة الأشجار وما يسببه ذلك من كوارث كانجراف التربة نتيجة الأمطار الغزيرة وعدم وجود غطاء نباتي طبيعي يحد من سرعة اندفاع مياه الأمطار وهذا ما يؤدي إلى خسائر مادية وبشرية، كما تعاني دولاً كثيرة من التصحر وزحف الرمال بسبب إزالة الأشجار خلال عقود مضت كما هو الحال في بعض الدول المتاخمة للصحراء الكبرى في إفريقيا وتشهد الصين كذلك وضعا مشابها حيث تعاني العاصمة بيكين من عواصف الغبار العاتية التي تهب عليها من صحاري منغوليا الداخلية وذلك نتيجة للتساهل في إزالة الأشجار في الماضي مما حدا بالسلطات الصينية لرصد أموال طائلة للحد من آثار التصحر والعواصف الشديدة عن طريق إعادة زراعة ملايين الأشجار لتشكل جدارا عازلا يوقف تقدم الصحراء ويعيد للتربة خصوبتها وتماسكها. وفي سيراليون، وبسبب التهاون في المحافظة على الثروة الشجرية، وجشع بعض كبار المتنفذين هناك فقدت البلاد ما يقارب 90% من غاباتها مما أدى إلى تدهور البيئة وتزايد أخطار الانزلاقات الأرضية بسبب اندفاع مياه الأمطار، كما تسبب ذلك في تذبذب ونقص كمية الأمطار مما دفع الحكومة للتحرك مؤخرا للمحافظة على ما تبقى من الغطاء النباتي.
إن الحال في المملكة سيزداد سوءا ما لم تتضافر الجهود لوضع حد لهذا النزيف البيئي المستمر والعبث غير المسئول بالبيئة، وهناك الكثير من الحلول والبدائل التي تناسب ظروف المملكة لكن ذلك يحتاج لتوفر الرغبة والقناعة والمؤمل من وسائل الإعلام والمدارس والجامعات أن يكون لها حضورا فاعلا وأن تسهم في بث الوعي البيئي والتحذير من خطورة العبث بالموارد الطبيعية و إزالة الأشجار وتعرية التربة؛ كما أن لمراكز البحث العلمي دور كبير في تحسين الغطاء النباتي و دراسة البدائل الممكنة للمحافظة على ما تبقى منه. ورغم الإدراك المتزايد بأهمية الأشجار وصدور أنظمة وقوانين أكثر وضوحا وصرامة فيما يخص قطع الأشجار إلا أن تنفيذ هذه القرارات يشوبه الكثير من الاتكالية واللامبالاة والتساهل نظرا لتعدد الجهات المعنية بتطبيق قرارات المنع، مما أوجد ثغرة واسعة تنفذ منها مئات الشاحنات التي تحمل على ظهورها آلاف الأشجار.. فمن يعلق الجرس؟

عن صحيفة إنماء (1)

شاهد أيضاً

السعودية العظمى فوق هام السحب

دفاطمة بنت عبدالباقي البخيت لم تكن مدة حكم الملك عبدالعزيز آل سعود رحمه الله مجرد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *