الرئيسية / HOME / مقالات / مرآة الحكمة

مرآة الحكمة

  • سمير عالم

كيف تكون الأمثال الشعبية الدارج استخدامها بين الناس مرآة لكثير من تفاصيل الحياة، وكيف لها أن تكون أحد المصادر التي يستعين بها الدارسون في مجالات مختلفة.

الأمثال الشعبية هي نتاج تجارب الناس ومقياس للوعي في مجتمع ما، ومن خلالها يمكننا فهم بعض التفاصيل واستنباط نتائج متنوعة.

كما أنني اعتبر انتشار الأمثال الشعبية وكثرتها في مجتمع معين دليل على مستوى الحكمة التي يتمتع بها ذلك المجتمع.

من ضمن قراءاتي للكتب، قرأت كتاب ” المستطرف في كل فن مستظرف ” لكاتبه: شهاب الدين الأبشيهي والذي عاش في مصر في القرن التاسع الهجري ، و أفرد أحد الأبواب في كتابة للأمثال الشعبية في زمانه.

وما شدني في ذلك وحفزني لكتابة هذا المقال، هي الأمثال التي قرأتها والتي لا يزال البعض منها حي على ألسنة الناس حتى وقتنا الراهن، ولازالت الناس تتناقل تلك الأمثال، بالرغم من مرور ما يقارب الـ 500 عام على تأليف هذا الكتاب، وربما استخدمت هذه الأمثال قبل أن يقوم المؤلف بتضمينها في كتابة منذ زمن طويل، ومنها: ” إذا كان صاحبك عسل لا تلحسه كله ” و ” صباح الخير يا جاري أنت في دارك وأنا في داري ” و ” ألف ذقن ولا ذقني ” وقد أوردت البعض منها على سبيل الاستشهاد لا الحصر.

كيف عاشت تلك الأمثال وتوارثتها الأجيال جيلًا بعد آخر، بالرغم من التغيير الذي قد يطرأ على حياة الناس في كل عصر، ولكن يبقى الإنسان هو الإنسان حتى إن طرأ تغيير على أسلوب حياته وتنوعت أدواته المستخدمة في حياته اليومية وتنوعت حتى المواد التي يأكلها، والتي تنعكس بشكل أو آخر وتوظف ضمن الأمثال والحكم.

فالخصال الحسنة أو السيئة في بني البشر لم تتغير منذ بدء الخليقة، ربما تزيد أو تنقص حدتها في كل مرحلة بناء على الحياة التي تكون متغيرة بناء على الظروف المعيشية في كل مرحلة، فترتقي الأمم أو تنحدر بناء على تلك الظروف، والتي تشكل السياسة والمستوى الاقتصادي في كل مرحلة عوامل رئيسية في ذلك، وكيف لها كذلك أن ترتقي بأسلوب التعبير والألفاظ المتداولة بين الناس أو تنحدر.

ومن جهة أخرى نلحظ من خلال الألفاظ المستخدمة التغيير في اللهجة، والتي بدأت بالتحول من العربية الفصحى للعامية بشكلها الحالي، وأن تلك اللهجة بدأت بالانتشار منذ خمسة قرون أو أكثر، ومن الأمثلة على ذلك: ” عجوزة وخرفانة دي داهية كمانة ” و ” هش يا دبانة أنا حبلى من مولانا ” ونلحظ أن المؤلف قد أوردها في كتابه كما كانت تلفظ على لسان الناس في عصره، وكيف يتم تبديل حرف الـ ” ذ ” بحرف ” د ”

وأحد الأمور التي لفتت نظري، هي مسألة انتقال الثقافة المحلية من منطقة لأخرى ومن شعب لآخر، وعدم بقاءها حبيسة داخل حدودها الجغرافية، فقد أورد الأستاذ / أحمد السباعي في كتابه: ” الأمثال الشعبية في مدن الحجاز ” عددًا كبيرًا من الأمثال المتداولة في حواضر الحجاز قديما ، ونلحظ أن بعض من تلك الأمثال قد أوردها الأبشيهي في كتابه، مثل: ” لو تقطع يده وتدليها من فيه خصلة ما يخليها ” وأوردها السباعي بلفظ ” اقطع أدن الكلب ودليها واللي عنده خصلة ما يخليها “، ولو توسعنا في البحث سنجد أن نفس تلك الأمثال موجودة في مناطق عربية أخرى، وربما لن نتمكن من تحديد مصدرها بدقة والجهة التي انتقلت منها إلى الأخرى.

في عصر انعدمت فيه وسائل متطورة للانتقال والتواصل، تمكنت تلك الثقافات من الالتقاء والتمازج، عبر تنقل البشر وترحالهم لأغراض شتى، وعبر هجرات متوالية على شكل جماعات أو أفراد، ولكن ما يميز ذالك التمازج هو حدوثه بشكل بطيء وغير ملحوظ، بينما نجد أن ذلك الالتقاء يحصل في عصرنا بشكل أسرع مما أحدث بعض الصدامات، ورفض البعض تقبل أي ثقافة أخرى بدعوى الحفاظ على خصوصية الثقافات المحلية، ومعتقدًا أن الثقافات المحلية هي ثقافات لم تستقِ أي من مكوناتها من أي ثقافة أخرى وهذا ينافي المنطق في واقع الحال.

فالبشر هم أقرب إلى بعضهم مما يظنون، وإن اختلفت ثقافاتهم وألسنتهم وألوانهم، ففي المحصلة تضل احتياجات الإنسان واحدة في كل مكان، من حاجته للمأكل والمشرب والمسكن والأمان والتنظيم وحتى الترفيه وخلافه، وكل  ما يؤمن له ذلك من أدوات ومواد وأساليب حياة سيكون مجبرًا على تقبله وإدراجه ضمن ثقافته، وأن أي مواجهة قد تنشأ للتصدي للتغير هي مواجهة خاسرة.

بالتعاون مع #رابطة_إنجاز

enjaz_g

عن قسم المقالات

شاهد أيضاً

توظيف التقنية في تعليم ذوي الاحتياجات الخاصة

سهام عبد الله فائز       شهِد الوسط التعليمي نتيجة الثورة التقنية تغيراً واضحاً في التعليم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *