الرئيسية / HOME / مقالات / فوق جهل الجاهلين

فوق جهل الجاهلين

  • سمير عالم
“ألا لا يجهلن أحد علينا .. فنجهل فوق جهل الجاهلينا”
استشهد بهذا البيت من معلقة عمرو بن كلثوم، والتي تناقلتها ذاكرة السابقين واللاحقين بكثير من الاعجاب، نظرا لم تتضمنه من معاني العزة والشرف، متناسين أنها قيلت في أعقاب مجزرة راح ضحيتها العشرات من البشر وسفكت فيها الكثير من الدماء.
والتاريخ مليء بمثل تلك القصص التي تسرد لنا حروب امتدت لسنوات ولأسباب لا يمكن وصفها إلا بالتافهة، ولا يمكنني تخيل وجود قلوب بشرية تتصف بكل تلك القسوة والجلافة والعجز عن إظهار العاطفة حتى تجاه فلذات أكبادهم، ولعلنا نعلم المناسبة التي قال فيها الرسول -صلى الله عليه وسلم-: “من لا يرحم لا يرحم” ردا على الاقرع بن حابس التميمي، حين قال أن له عشرة من الأبناء لم يقبل أحد منهم قط، بينما أرى السباع والضواري تلاطف صغارها وتعطف عليهم، وهي دواب لا تملك من العاطفة ما يملكه بني البشر، ومثل هذا السلوك الذي ينتهجه الأب مع أبناءه كفيل بأن ينقل إليهم عدوى نفس الخلل السلوكي ويجعلهم متشبعين بدرجة عالية من القسوة والتعصب، إضافة إلى توريثهم العديد من المعتقدات تجاه فكرة الرجولة وفق مفهوم مغلوط، لا يتجاوز المساحة الممتدة ما بين الانف والشفة العليا عند الرجل، والتي لابد وان يكسوها شارب عريض.
ثقافة “المرجلة” تفرض على صاحبها التجهم والجفوة في التعامل، فلا يكاد يبتسم أو ينطق بكلمة يمكن وصفها باللطيفة، ولا يأنس بحديث ولا يضحك لدعابة ولا يطرب لنغم.
هذه الفئة من الناس هي الأكثر قابلية للتأثر بالأفكار المتطرفة، لأنها تنسجم وأفكارهم وشخصيتهم، فلا نتوقع منهم ميلا نحو تقديم النصح بأسلوب مقبول ولطيف، بل هم ميالون فطريا لمعالجة أي مشكلة تعترضهم بأسلوب يمكن وصفه بالعنيف.
والعنف الذي قد نصادفه أحيانا في الشوارع والمدارس والأماكن العامة وبشكل مفرط قد يفاجئنا، وربما صدمتنا تكون أكبر حين نعلم تفاهة السبب الذي أدى لنشوء الخلاف أصلا، وكل ذلك هو نتاج هذه الثقافة التي لا تتردد في إظهار ردة الفعل المتهورة ولا تتقبل فكرة التسامح والتنازل لحل أي خلاف.
وإن كانت المدنية لها ما لها وعليها ما عليها، وقد نتفق أو نختلف في ذلك، إلا انها أحد المؤثرات التي تساهم في تهذيب الخلق وتجعل من الانسان أكثر قابلية للحوار وتقبل الآخر وتكسبه المرونة، واكثر ميلا للإحساس بالجمال من حوله، وتتيح الفرصة للتفاعل والاحتكاك بالثقافات الأخرى، والتي بالتأكيد تؤدي إلى تغيير في الأفكار.
ولا يمكننا اعتبار الجاهلية مرحلة زمنية في عمر التاريخ الإنساني، بقدر ما هي فكر قابل للاستمرار والتجدد وقادر على تقديم نفسه بشكل أكثر عصرية.

عن قسم المقالات

شاهد أيضاً

ضبط و تطوير المجتمع الوظيفي

نسرين ابو الجدايل   كم هو جميل أن تكون بيئة العمل صحية إيجابية، محفزة، صالحة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *