الرئيسية / الأخبار / أخبار التطوع / الهشتاق خلف الكواليس

الهشتاق خلف الكواليس

  • نايف القناص 

حتى نتمكن من فهم عالم الوسم أو الهاشتاق، نحتاج أن نعرف بعض المعلومات والأجزاء المرتبطة به مثل البوت أو البريمجات (تصغير برنامج)، لمن لا يعرف ماهي البوت Bot أنها تطبيقات برمجية صغيرة تقوم آليا بتأدية مهمة بسيطة ومكررة بسرعة عالية ومتتالية. 

وفي عالم شبكات التواصل الاجتماعية يتم توظيفها لتقوم بمهام تفاعلية مثل الإعجابات، الرتو، النشر، إنشاء حسابات وهمية، المتابعة، توليد مشاركات وتعليقات آلية. 

ويتم تأجير هذه البرمجيات بمقابل مادي لأفراد وجهات تستفيد من تلك التفاعلات، بحيث تظهر أنشطة وهمية وأعداد متابعين غير واقعية، ولو لم يحصل بسبب هذه السلوكيات من ضرر سوى المخادعة والتحايل والتلفيق، وتضاؤل النزاهة والموثوقية لكان كافيا أن تعتبر برمجيات خبيثة في معظم الحالات.

وبكل أسف يتم الترويج لها كخدمات إعلانية بريئة وتغييب مساوئها الأخلاقية والقانونية، حيث أن هذه السلوكيات تخالف قوانين تلك الشبكات الاجتماعية. 

ولا يتوقف الامر على قيام الافراد بتزوير عدد متابعيهم أو تضخيم عدد الإعجابات لمنشوراتهم، إذ يعمد الكثير من الفنانين والمشاهير لاستخدامها في الإثارة الشعبية حول أعمالهم أو حياتهم ليبقوا متواجدين على الساحة دائما، أو قد تستخدم لتشويه سمعة المنافسين في مجالات أخرى كالتجارة والمناصب القيادية، ولا يتوقف الأمر هنا بل قام الكثيرون باستغلال هذه الإمكانيات التقنية في مجالات أكثر خبثا وأذى فتم توظيفها في تنفيذ حروب إعلامية وسياسية؛ فلم تكن نتائج التصويت للرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد أعلنت بعد، لكن خرجت الكثير من الشائعات توحي بقيام جهات خارجية بتوجيه الرأي العام الأمريكي والإيحاء بالاحتفاء الشعبي لانتخاب ترامب، وبعد أقل من عام بدأت التحقيقات في هذا الموضوع وكشفت أدلة واعترافات جهات وأفراد وشركات بهذه الفضيحة السياسية.

من الأدوات التي تعتمد عليها تلك الجهات في حملاتها وهجماتها هي الوسم (هاشتاق) ويرمز له بهذه العلامة # التي تسبق الترويسة أو العنوان للموضوع المقصود تجميع التعليقات بصدده تحت هذا الوسم، وتتم صياغة الوسوم أو الهاشتاقات الموجهة بالاعتماد على نظريات وتكتيكات هندسة الجماهير والعبارات المثيرة والصياغات المؤثرة.

ما دفعني للبحث في الموضوع أنني كالكثيرين طالما انزعجت من تفاهة الكثير من الوسوم، وسفاهتها وخبثها أحيانا، وبحثت عمن يكون خلفها وماهي دوافعه وكيف يتم رفعها لتكون في رأس قائمة الوسوم المتصدرة (الترند) وما هو السر بوجود سيل من التفاعل معها. 

لقد سبقني في هذا البعض وقاموا بعدة تقصيات، واستفدت من تحليلاتهم وتوصلت لعدة استنتاجات وحقائق بعضها قد يكون صادما، ولست بصدد الحديث عن الفئة المنشأة لأهداف بريئة ومفيدة، ولا عن المحتوية على مشاركات إيجابية ونافعة.

فبجانب اعتراف مبرمجين من تويتر بتدخلهم يدويا بالرفع أو الحذف أو الغمر لوسوم حسب توجيهات وتوجهات معينة، هناك أربعة أنواع من المستفيدين من تلك الوسوم المسيئة والبذيئة والسخيفة والمشبوهة. إنهم كالطفيليات التي تتغلغل وتنتشر وتتربص بالضحايا، بعضهم مكشوف ومعروف وبعضهم متخفٍ ومتلون، وقد حاولت تصنيفهم حسب أنشطتهم الظاهرة وبناء على علامات تنبيء عن مقاصدهم وأهدافهم.

-تجار الإعلانات التصيدية: فهؤلاء يبيعون وهمًا وينشرون إعلانات عن منتجات وخدمات غير موثوقة، ومخالفة أحيانا أو احتيالية. فمنهم من يسوق لشاي التنحيف وأجهزة تفريغ الشحنات من الجسم وعبوات العسل مجهول المصدر… وأولئك الذين يبيعون التفاعل والمتابعين والذين ينشرون روابط لصفحات مواقع بواجهات إخبارية. ولو ضعف التفاعل على الوسوم يوما لابتكروا مجموعة مستفزة وفضائح وأخبارًا مفبركة، إن لم تلفت اهتمام السفهاء للمشاركة فيها، فهي تستفز العقلاء للسخرية منها، بينما الهدف الأساسي لإنشائها خلق بيئة لإطلاق طفيلياتهم وإعلاناتهم المضللة وبالتالي هم يستخدمون تلك الهاشتاقات كلوحات إعلانية لزبائنهم، ترتفع أكثر كلما ألقيت فيها تغريدات.

-مراكز مراقبة الشعوب: وهي مراكز دراسات في الأساس تقوم بتقصي وأبحاث مستمرة على الشعوب في نواحٍ كثيرة، وتقدم نتائجها لجهات مختلفة فمنها جهات علمية وإعلانية وأيضا عسكرية واستخباراتية؛ فتطلق وسوم استقصائية لتتمكن من مراقبة ردود فعل فئات الشعب عليها لتفهم التطورات والتغيرات الثقافية والفكرية ونقاط الضعف والمداخل السهلة لاختراق المجتمعات والعقليات. تقوم تلك الجهات بمسوح دورية لتحديث قوائمها وملاحظاتها وتوصياتها. حتى شبكات التواصل ومحركات البحث بنفسها تتضمن خوارزمياتها بوتات تفاعلية ذكية مخصصة للتخاطب وحصد معلومات معينة تصب في مخازن بيانات وتتبع ترسل تقاريرها لمراكز الأبحاث تلك.

-الأخطبوط نافث الحبر: هو تكتيك تستخدمه جهات أو أفراد للتغطية على فضيحة أو حجب معلومة أو إبعاد أحد الوسوم عن التصدر لأنه ذو تأثير يتصادم مع توجه تلك الجهة؛ فتطلق مجموعة وسوم مثيرة ومستفزة وتافهة لتغرق قائمة الوسوم المتصدرة وتدفن الوسم المستهدف في الفوضى. وكثيرا ما تستعمل هذه الطريقة في الدول عند الإضرابات الشعبية أو المظاهرات، حيث يكون الوسم كغرفة عمليات يتفق من خلاله الناشطون ويتضامنون. وكذلك يعمل كمركز بث للأحداث لحظة بلحظة مما يخل بالأمن ويحفز المتابعين على المشاركة. كما تفعل ذلك المنظمات والشركات والوزارات وأصحاب المناصب عند إنشاء وسم تشهير بمخالفة أو متضمن إساءة أو يظهر حسنات قائد مما يوحي بمساويء منافسه.

-الجيوش الإلكترونية: كانت الحرب الإعلامية من أهم أسلحة الحرب الباردة، حتى سيطرت سريعا الحروب الإلكترونية (السيبرانية) من ثمانينيات القرن الماضي، فصارت الهجمات الإلكترونية الموجهة على الحكومات والشركات والمؤسسات وحتى الأفراد هي الجيل الجديد من الحروب. وهذا النوع هو الأكثر تطورا والأشد خطرا وتتلاشى في غرفه كل المعايير الأخلاقية وجميع اتفاقيات الحروب الدولية.

وما وجدته من تقارير ومعلومات عن ذلك بالألوف، لهذا سأتحدث عن بعض أنواع الهجمات التي يتم شنها عبر الوسوم تحديدا وعن أهدافها وآثارها. وبالأخص الموجهة ضد السعودية، حيث لاحظت أن العديد من الخبراء التقنيين يستشهدون بالهجمات والحسابات التي تستهدف السعودية في حديثهم عن تلك الجيوش. وعلى سبيل المثال، قامت بي بي سي بإجراء تجربة لرفع أحد الوسوم في السعودية وتواصلت مع أحد الأشخاص ليقوم بذلك، فتم تنفيذ هذه المهمة مقابل 200$ (750 ريال سعودي). كما ذكرت عدة مواقع إخبارية وتقنية متخصصة أن الحسابات الآلية المعادية للسعودية على تويتر تجاوزت 23000 على أقل تقدير، وهي بازدياد يوميا وتستخدم فيها هويات ومعلومات وتغريدات مفبركة ومسروقة.

نشر الإشاعات الخبرية: ذلك التسوس المعرفي المسمى إشاعة مغرضة تنشره جهات لها أهداف خبيثة حتى لو كان ظاهرها مسالما أو بريئا أو تافها. فإشاعة عن تسمم حمولة فواكه أو تلوث منتج غذائي وحتى ضرر استخدام جهاز ما وانتشار مرض ما، يجعل الناس في رهبة وترقب وتوجس دائم. والشعب القلق والمتخوف يسهل اختراقه وتجهيله والتلاعب بقناعاته الصحية، بل والأمنية حيث لا يعود يثق بالجهات الرقابية ويفقد شعوره بالولاء والانتماء. يقول الباحث إيثان زوكيرمان رئيس مركز الإعلام المدني في جامعة  ام أي تي “إن جعل المتلقين لا يثقون بكل الحقائق أسهل وأفضل من دحض حقيقة خبر واحد، وإيهامهم بأن خلف كل حدث توجد أجندة خفية تستهدفهم ليس يفقدهم الثقة فقط، بل يجعلهم دائما غاضبين ومستثارين”. وهذا ما تهدف له تلك الشائعات التي تصاغ بأسلوب مقنع لفئات معينة وتدعم بصور مفبركة لا تملك تلك الفئات خبرات تقنية كافية لاكتشافها وبالتالي رفضها. وعندما يتم نشر هذه الأخبار تتناقلها في البداية حسابات تمزج الحق بالباطل والمعلومة بالكذبة فيصعب على المتابع العادي التفريق بين هذا وذاك، وبطيب نية ينقلها ظنا منه أنه يقوم بدور التوعية ويدعو للاحتياط والحذر. وفي الواقع أنه وقع ضحية لتلك الجهات المعادية فتم تجنيده ليكون مرسالا لها وخادما وفيا لأهدافها. ولأن هذا النوع من الأخبار يلامس مشاعر الخوف والشك، يقابله صعوبة إثبات كذبها رسميا بسبب فقد الثقة.

نشر الإشاعات السياسية: لا يكاد يمر شهر دون أن تنتشر إشاعات تتعلق بزيادات أو مكرمات حكومية، ناهيك عن سيل من تلك الإشاعات في مواسم مثل اقتراب شهر رمضان وبداية العام والأعياد والإجازات والمواسم. برفع سقف الطموحات والآمال والتطلعات ثم اصطدامها بحقيقة أنها مجرد إشاعات، تثبط شعور الولاء والانتماء لدى المواطنين. كما تزرع لدى الشعب حنقا وسخطا متراكما إذا سمعوا عن أخبار تتعلق بوزراء وأعيان يقومون بأفعال وسلوكيات مستهجنة أو باذخة. وبمجرد إطلاق مثل تلك الوسوم تهطل مشاركات وتغريدات غزيرة متذمرة وشاتمة وناقمة ومتهمة، كلها من حسابات آلية مبرمجة حتى أن أعدادا منها تستخدم ذات النصوص حرفيا مما يثبت أنها تدار من جهة واحدة.

نشر الفرقة الشعبية: ولها نماذج عديدة ومتباينة، لكنها عادة تكون موجهة للتفريق بين أطياف المجتمع المختلفة أو تزرع صورة نمطية مشوهة. ولكثرة تلك الوسوم السخيفة وتناقص إثارتها لاهتمام المغردين عن السابق، أصبحت تصاغ بشكل مستفز أكثر، ناهيك عن تطرقها لحكايات مفبركة وفضائح ملفقة. كما تستغل تلك الوسوم المتداولة لبعث رسائل مضمونها فساد وانحلال وفسوق وتفكك وخبث وعنف ونفاق وتخلف المجتمع عموما، مما يثير حماس الشباب والمراهقين خصوصا للنفور والانعزال والرغبة بالتحدي والعداء له.

إشغال الرأي العام: يبلغ عدد مستخدمي تويتر في السعودية ما يقارب 14 مليون مستخدم عام 2018 حسب موقع The Spectator Index وبذلك يتصدرون العالم العربي، وهذا ما يجعله منفذا واسعا على الشعب. وقد رأينا في عدة أحداث كيف يتصدى المستخدمين السعوديين تحديدا للهجمات الإعلامية الموجهة على الوطن بكل بسالة ومثابرة، وهذا ما يجعل قوتهم وهيبتهم على وسائل التواصل رادعا لمحاولات اختراق الشعب فكريا. فتلجأ الجهات المكلفة بالهجمات لاستخدام الضوضاء والتشويش، فعندما تحدث هجمة ويبدأ التصدي لها تتقوم بقذف الكثير من التفاهات والسفاهات لإشغال المتابعين واستنزاف جهودهم.

إغراق حسابات المؤثرين وناقلي المعرفة: نلاحظ أسفل تغريدات المؤثرين ناقلي المعرفة خصوصا الذين ينتمون للسعودية تكاثر الردود المنفرة من المتابعة؛ فتوجد حسابات تشتم وتتهم المغرد، وحسابات تغرقه بإعلانات وهمية، وحسابات تروج أفكارا متطرفة، وكلها تستخدم في ردودها هاشتاقات مستفزة ومحتوى خبيث، الهدف الأول منها إحباط المغرد وإشعاره بأن أغلب من يتابعه هم تلك الفئات، والهدف الثاني منها تنفير المتابعين وإثارة اشمئزازهم وإبعادهم عنه، والهدف الثالث تلويث البيئة العامة بتلك القاذورات حتى يبتعد عنها المتابعين الجيدين فتخلوا الساحة لتلك الفرق المهاجمة لتقوم بمهامها فلا تواجه سوى أعدادا أقل من المغردين الوطنيين.

أختتم بالرد على أحد الزملاء الذي انتقد كتابتي عن هذا الموضوع لأنه ربما لايهم سوى فئة المختصين، لكن الوعي هو السلاح الأثبت والأنفذ لمواجهة أي عداء واعتداء، فالبحث والتحليل ونشر المعرفة واجب على الخبراء كلٌ في مجاله. 

يأتي بعد ذلك واجب على العقلاء والمثقفين تبسيطها ونقلها للعامة لأجل الارتقاء والتطوير الفكري والسلوكي على حد سواء.

هذا الواجب الإنساني والوطني والديني كذلك، يعود بالنفع على بقية أفراد المجتمع والوطن والعالم إذا لم نستهن بأي معلومة مهما صغرت لأنها تتراكم مع معلومات صغيرة أخرى لتكون المعرفة الشاملة.

شاهد أيضاً

أبرار السبر: أنا أول فتاة سعودية تتحدث عن متلازمة بهجت

راكان بن قرين – الرياض: بمناسبة اليوم العالمي لمرض بهجت تنطلق اليوم أعمال مبادرة الأستاذة أبرار …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *