الرئيسية / HOME / مقالات / هذا ردائي .. أرجوك لا تسرقه !

هذا ردائي .. أرجوك لا تسرقه !

 

  • نوره اللحيدان

تأمل:
في صغري حصلت على نصيحة أبوية صغيرة ظلّت في رأسي إلى هذا العمر ولا زالت ، يقول : ( إياكِ وارتداء ثيابٍ ليست لكِ! ) ، حينها تساءلت : كيف يمكنني سرقة ثياب أخرى لأرتديها ! ، لم أكن أدرك أن المعنى من هذه الكلمات أعمق بكثير من سرقة الثياب!
ذات مرة كنت في نقاش طويل ودافئ مع صديقة مفضلة.. كنت أتحدث عن الرغبة العارمة والمجنونة والمتزايدة التي باتت هوسًا لدى البعض في الحصول على شهادة الماجستير و الدكتوراه . أصبح البعض يلهث خلف الأحرف التي توضع إلى جوار اسمه ، ناسيًا أن لا قيمة للأحرف ما دام لا يملك الحرفّية والممارسة الحقيقة لما يُعّرفُ به من مسميات عدة . هي في النهاية شهادة ستضعها على الرف ، ولكنك وحدك من ستقرر وتختار في أن تكون شهادة حقيقية وصادقة في نزولك للميدان والتجربة التي ستتخبط بها ربما في البداية إلى أن تصل إلى الجودة و الاحترافية التامة ، والتي تجعلك تستمتع حقًّا وأنت ترى نتاج تعبك أمام عينيك محققًا.

صدقني لن تهمك الأحرف ولا الشهادات حين تفهم أنها لن تكون لأحد سواك ، ولن تقدم ولن تؤخر في جودة ما تقدمه ما دمت لم تعمل على تطوير ذاتك بذاتك ؛ لأنها تبقى شهادة ورق ، والعمل ميدانيًا هو ما يحدد مصداقيتها. قالت صديقتي كلامًا رن في أذني ولا زلت أذكره : ( إنها مجردة أحرف وشهادات لتسمين الذات فقط ) . لن أقلل من قيمتها ، ولن أقلل من شأن أصحابها العظماء ، والذين قد يتفوقون على الكثيرين ممن حولهم ، ولكن إن كان هدفك من الحصول على هذه الشهادة هو من أجل المجتمع وحتى تُنادى بتلك الدال أو الميم فقف أرجوك مع ذاتك الآن واسألها : (لماذا أركض من أجل الناس..؟) ، هل أنت فعلاً ممن يمارسون تسمين ذاتهم دون وعي؟! . هذا ليس ردائك إن لم يكن هدفك لأجل العلم ، ولَم يكن من أجل أن ترتفع بوعيك وتتوسع في دراستك، وتصعد منزلة أعلى من منزلتك، وتطور ذاتك، وتفتح لنفسك أبوابًا تفتح لك أبوابًا أخرى من خلال ما تتعلمه في رحلتك الحياتية ، التي هي في لبّها وجوهرها حياة تعلّم و دروس كبيرة وصغيرة ، تعبر بها في مسيرتك وطرقاتك التي أنت من يختارها في النهاية. تأكد أنك تُمارس التعلم في كل لحظة ، فلا تهمّك المسميات ولا تكن هاجسك بقدر أهمية الجودة والإتقان والثقة التي تنساب منك ومن داخلك حينما تشرع في ممارسة ما تعلّمته ، أنت قد تتفوق على أستاذك ومعلّمك حينما تثق بنفسك أولاً ، وحين تُمارس ما تعلمته بدقة ورغبة حقيقية في أن تصل إلى إتقانه. أذكر كلمة للدكتور صلاح الراشد وأنقلها هنا بتصرف : أنت تستطيع أن تتقن أي شيء من المرة الأولى، إذا كنت ستتقنه في المرة الثانية . هذه الكلمات تصنع ثقتك بأنك تستطيع إتقان الشيء حتى في المرة الأولى ما دمت تشعر بالثقة بأنك ستصل وأنك قادر. احصل على ثقتك الداخلية بذاتك وحلّق في حلبة الإبداع الخاص بك.

لا تلهث لإرضاء الناس ولا تسعَ لتحسين صورتك وتسمين ذاتك بطريقة تثير الشفقة وكأنك تتسول مكانتك الاجتماعية. إن العلم والأحرف والشهادات لن تنفعك ما لم تمارسها، ما لم تتخلق بها، ما لم تنقلك لعالم آخر، ما لم تطورك، ما لم تزيدك شغفًا لأن تتعلم أكثر، ما لم تجعلك تتقنها بحرفية عالية.
ختامًا أقول لك بكل حبّ: امنح لنفسك أردية خاصة بك ، ودعك مني فهذا ردائي أرجوك لا تسرقه! ، فأنت تستطيع خياطة أردية أجمل بكثير من أردية الكثير.

عن نهاد الهاشمي

شاهد أيضاً

نوافذ الصبر

نورة الهزاع كرسيٌّ طال مكوثه ولم يتبرع أحدٌ لإزاحته لقد صُنع خصيصاً لمن أصبح للانتظار …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *