الرئيسية / HOME / مقالات / الجودة والمسؤولية الاجتماعية

الجودة والمسؤولية الاجتماعية

image

أ.د.سعد علي الحاج بكري

تتسابق المُؤسسات والشركات إلى وضع علامات الجودة على مُنتجاتها أو خدماتها، أو إلى إجراءات العمل التي تقوم بها من أجل تقديم هذه المُنتجات أو الخدمات. وغاية ذلك هي إبراز تميز صفات ما تُقدمه وما تقوم به، على أساس أن هذه الصفات تُحقق معايير مدروسة ومُعتمدة دولياً. وتهتم هذه المعايير عادة بتقديم مُخرجات تتميز بثلاثة أمور رئيسة هي: تلبية المُتطلبات الشكلية والوظيفية للمُنتجات أو الخدمات أو الإجراءات المُستهدفة تبعاً للتوقعات؛ وتفعيل موثوقية أدائها وقدرتها على تجنب الأخطاء والأعطال المُحتملة؛ إضافة إلى تعزيز استجابتها لضرورات السلامة المُرتبطة بها. ولا شك أن توجهات معايير الجودة الرئيسة هذه مطلوبة دائماً، سواء تم توثيقها بعلامات الجودة أو لم يتم.

وتُمثل أمور الجودة الثلاثة سابقة الذكر جانب “فاعلية” المُنتجات أو الخدمات أو الإجراءات المُستهدفة، أو بالأحرى جانب المُخرجات أو جانب “القيمة الناتجة”. وهذه القيمة جزء رئيس من الجودة، لكن الجودة في نظرتها الشاملة لا تكتفي بذلك، بل تهتم أيضاً بمدى كفاءة عملية إنتاج المُخرجات. فهذه الكفاءة لا تنظر إلى جانب المُخرجات الناتجة فقط، بل إلى جانب المُدخلات المُعطاة أيضاً، أي أنها لا تنظر إلى “القيمة الناتجة” فقط بل إلى “القيمة المُعطاة” لعملية الإنتاج أيضاً.

ولتوضيح مسألة الكفاءة هذه نقول التالي. إذا كانت “القيمة الفعلية الناتجة” التي تحملها المُخرجات، من أجل قيمة مُحددة للمُدخلات، أقل من “القيمة المثلى” التي يُمكن إنتاجها، من أجل المُدخلات ذاتها، فإن هناك مُشكلة في الجودة. فالفرق بين هذه “القيمة المُمكنة المُثلى” و”القيمة الفعلية الناتجة” يُعتبر “فقداناً” في نظر الجودة، لا بُد من العمل على تقليصه إلى الحد الأدنى أو حتى التخلص منه. ويتمتع هذا الأمر بأهمية كبيرة للشركات المُتنافسة في السوق التي ترغب في تقديم أفضل المُخرجات بأقل التكاليف، كي تكسب السوق وتُحقق الأرباح. وهو مُهم أيضاً بالنسبة للمُؤسسات الحكومية لأنه يُعطي فرصة استخدام الميزانية المُتاحة على أفضل وجه مُمكن.

وتعتمد الجودة بشقيها: الفاعلية والكفاءة على عوامل عديدة، وعلى مُتغيرات كثيرة، وعلى التنافس في الأفكار والمُبتكرات. ومن هذا المُنطلق تتضمن مبادئ الجودة، إضافة إلى ما سبق مبدأ “التطوير” الذي يشمل جانبين: جانبا “مرحليا”، وجانبا “مُستمرا”. يقضي جانب التطوير المرحلي بإعادة النظر في تكوين المُؤسسة وعملها وإجراءاتها؛ من أجل القفز بجودة ما تقدمه إلى مستوى أعلى، ويعرف ذلك “بإعادة هندسة إدارة العمل”، وهذا ما تجريه المُؤسسات على فترات مُتباعدة أو تبعاً للحاجة.

أما جانب التطوير المُستمر فيهتم بالمُراقبة والمُتابعة المُستمرة، وكشف العوائق، والعمل على تجاوزها، واستشعار فرص تحسين الجودة، والعمل على الاستفادة منها. وهذا ما توصي معايير الجودة الدولية به (مثل المعايير الإجرائية للمواصفة الدولية ISO 9001)، التي تعتمد على دورة التطوير المُستمر المعروفة “بدورة ديمنج Deming”، التي تتضمن متابعة العمل، والقيام بتطويره نحو جودة أفضل بشكل متواصل ودون انقطاع.

على أساس ما سبق نجد أن الجودة قضية حيوية “ديناميكية” الطابع. فهي تحتاج إلى مُتطلبات فكرية مُتجددة، تسعى إلى طرح أفكار وتقديم مُبتكرات تقنية، وربما اجتماعية أيضاً تُؤدي إلى: تحقيق الفاعلية، ورفع الكفاءة، والحد من الفقدان، وتفعيل التطوير المُستمر، إضافة إلى القيام بالتطوير المرحلي. وهي تحتاج كذلك إلى روح تنفيذية عالية تستجيب للمُتطلبات الفكرية المُتجددة وتضعها موضع التنفيذ. وليست الجودة في عصر المعرفة والتنافس في الإبداع والابتكار قضية كمالية لنا الخيار في أخذها أو تركها، بل باتت ضرورة يتسابق الجميع إليها بالفكر والعمل الجاد.

يرتبط مفهوم الجودة بجوهر القيم الإسلامية، فقد قال الرسول الكريم مُحمد صلى الله عليه وسلم “إن الله عز وجل يُحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه”، فهذا الإتقان هو الجودة، ولعله مُتطلب الجودة والقائم بتمكينها، وهو متطلب مُتجدد قابل للتطور والتحسين؛ لأنه يدخل في دائرة المُنافسة والإبداع والابتكار والعمل والإنتاج. وعلى ذلك فالإتقان وبالتالي الجودة في ثقافتنا الإسلامية مسؤولية تقع على عاتق الإنسان في أي عمل يقوم به، سواء كان هذا العمل على المستوى الشخصي، أو على مستوى أولئك الذين يقعون تحت تأثيره ورعايته في المُجتمع. وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الأمر “كُلكم راعٍ وكُلكم مسؤول عن رعيته”.

ويلتقي ما سبق مع المسؤولية الاجتماعية للإنسان، فهو مسؤول في سلوكه عن ذاته، وعن عمله المهني وشراكته في ذلك مع الآخرين، وعن مُجتمعه ضمن دائرة تفاعله معه في مُختلف قضايا الحياة، بل عن البيئة العامة التي يشمل تأثيرها والتأثير فيها جميع البشر. ويتبع حجم مسؤولية الإنسان هنا حجم المُتعاملين معه ومدى دائرة تأثيره فيما حوله. وإذا اعتبرنا إتقان العمل، وهو جوهر الجودة، هدفاً للمسؤولية الاجتماعية، وهو كذلك فعلاً في الحديث الشريف، نجد أن على الإنسان مُتطلبات مهمة يجب أن يستجيب لها.

مطلوب من الإنسان، في إطار الإتقان والجودة، أن يظهر بالمظهر المُناسب، وأن يُؤدي الوظائف التي عليه أن يُؤديها مهنياً واجتماعياً، بل إنسانياً أيضاً على أفضل وجه مُمكن. مطلوب منه أن يكون مُلتزماً موثوقاً، يسعى دائماً إلى الصواب وتجنب الأخطاء، ويعمل على تعزيز القول بالفعل. مطلوب منه أن يحرص على السلامة لنفسه وللجميع من حوله. مطلوب منه أن يُعطي أقصى ما يستطيع، وأن يحد من فقدان الوقت وضياع الجهد وخسارة فرص العطاء التي تُتاح له، وأن يعمل على حماية البيئة والاقتصاد في استهلاك المصادر الطبيعية من مياه وطاقة وغيرهما. مطلوب منه أن يسعى إلى التطوير المُستمر، وتحسين جودة ما يقوم بتقديمه. مطلوب منه أن يسعى إلى الإبداع والابتكار وفتح آفاق جديدة أو مُتجددة للتطوير. مطلوب منه أن يُدرك مفهوم الجودة، وأن يجسده قولاً وفعلاً.

وإذا تخيلنا أخيراً أننا في مُجتمع يسعى الجميع فيه، أو ربما جُلهم، وبدافع المسؤولية إلى الاستجابة إلى جميع مُتطلبات الإتقان والجودة، أو جُلها، فلا شك أننا نكون في مُجتمع مُتميز واعد قادر على التقدم والعطاء. لعلنا في هذا الاتجاه، بمشيئة الله، سائرون.

عن صحيفة إنماء (1)

شاهد أيضاً

ضبط و تطوير المجتمع الوظيفي

نسرين ابو الجدايل   كم هو جميل أن تكون بيئة العمل صحية إيجابية، محفزة، صالحة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *