الرئيسية / HOME / مقالات / الطالب الجامعي والمسؤولية الاجتماعية

الطالب الجامعي والمسؤولية الاجتماعية

image

أ.د. سعد علي الحاج بكري :
عندما نرى من يُزاحم الآخرين ويتجاوز حقوقهم، أو يتلفظ بغير ما هو لائق، أو يتصرف باستهتار أو استغلال غير محمود، ثُم نعلم أنه صاحب درجة جامعية، فإننا نتأسف على العلم والمعرفة التي اكتسبها، بل رُبما نالت منا مُؤسسات التعليم نقداً ولوما. فهناك في ذهن كُل منا رابط يجمع بين المعرفة والمسؤولية والخُلق القويم؛ فمن يعلم لا يستوي مع الذي لا يعلم، كما قال الله تعالى في سورة الزمر “هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أُولو الألباب”.

تفتح الدرجة الجامعية لصاحبها طريقاً يُتيح له أن يتقدم الصفوف في مجال اختصاصه، وأن يكون له في المُجتمع مكانة وشأن. فقادة كُل مهنة، بحكم العلم والمعرفة، هم من أصحاب الدرجات الجامعية. المسؤولون في التعليم هم من المُؤهلين في مجالاته، والمسؤولون في المُستشفيات هم ممن درسوا الطب، والقائمون على الأعمال التقنية هم من المُهندسين المُؤهلين، ومديرو الشركات ومسؤولو المحاسبة والتسويق هم جميعاً من أصحاب الدرجات الجامعية المُتخصصة. فالمُجتمع بكافة مجالاته يُدار من قبل الجامعيين، ومستقبله في يد من هم الآن ومن سيكونون من طلاب الجامعات.

وإذا كان الرضا عن طلاب جامعاتنا والمُتخرجين منها غير كامل، فهو كذلك أيضاً حول العالم، فجهود تطوير التعليم العالي والاستجابة للمُتغيرات مُستمرة دون انقطاع، والتنافس بين الجامعات في مكانتها وتصنيفها قائم على الدوام. ودليل ذلك ما يجري من مُؤتمرات دولية حول التعليم العالي، كثير منها دوري يتجدد سنوياً؛ إضافة إلى ما يجري من تقييم وتصنيف سنوي للجامعات من قبل جهات دولية مُتعددة.

ولعل بين أبرز القضايا التي تُطرح في التعليم العالي حول العالم، ليس فقط المعرفة التخصصية والبحوث العلمية في حقول التأهيل، بل أيضاً المعرفة العامة والمهارات الأساسية وبينها القدرة الذاتية على التعلم، وقبل ذلك وبعد المرجعية الأخلاقية وروح المسؤولية التي توجه عمل الإنسان وسلوكه نحو الاتجاه الصحيح، وتُسهم بالتالي في تعزيز المعرفة التخصصية وتدعيم المعرفة العامة. فخريج الجامعة في مجال معين لا يحتاج فقط إلى المعرفة في مجاله، بل يحتاج أيضاً إلى الاطلاع العام وسعة الأفق، وإلى الشخصية الإنسانية القويمة القادرة على تحمل المسؤولية.

وإذا كان لنا أن نُقدم مثالاً حول تطوير التعليم العالي بشكل متواصل يستجيب للمُتغيرات ويُلبي المُتطلبات ويهتم بقضايا المسؤولية، فلعلنا نطرح البرنامج الذي أطلقته “هيئة الكليات والجامعات الأمريكية AAC&U” عام 2005م لتطوير التعليم العالي في القرن الحادي والعشرين. وتضم هذه الهيئة في عضويتها “1300 مُؤسسة تعليم عالٍ أمريكية” تشمل كُليات وجامعات تمنح شهادات علمية تتراوح بين الدرجات المُساعدة الأدنى من البكالوريوس وحتى درجة الدكتوراه. وبين أعضاء هذه الهيئة جامعات مثل “هارفارد وستانفورد وبيركلي” وجميع الجامعات الأمريكية العريقة.

يُدعى برنامج التطوير الذي تم إطلاقه “التعليم المُنفتح من أجل الوعد الأمريكي LEAP” ولعل المقصود بهذا الاسم هو “التعليم المُنفتح من أجل التفوق الدائم”. ولا شك أن هذا المعنى لا يرتبط بأمة بعينها، بل يتعلق بكُل أمة طموحة تسعى إلى السير في مُقدمة الأمم. وطالما أننا كُنا يوماً كذلك، فلعلنا نطمح مُستقبلاً بذلك.

تتضمن أسس البرنامج ثلاثة جوانب رئيسة: جانب التخصص والتميز فيه؛ وجانب المعرفة والمهارات ذات الطبيعة العامة؛ ثُم جانب الشخصية المسؤولة. وتجدر الإشارة هنا أن جانب التخصص في الجامعات بات مُحدداً بمعايير دولية، ومصادر معرفية مُشتركة، في جميع التخصصات الرئيسة. وفي هذا المجال نالت مناهج بعض التخصصات في عدد من جامعاتنا اعتماداً دولياً من جهات عالمية مرموقة.

ونأتي إلى جانب المعرفة والمهارات ذات الطبيعة العامة. في هذا الجانب أبرز البرنامج الحاجة إلى الثقافة العامة في المجالات العلمية والإنسانية المُختلفة، ولا شك أن الإنترنت باتت وسيلة رئيسة هامة لذلك، وبالذات لمن يرغب، أو لمن تحفزه المسؤولية على الاطلاع. وقد ركّز هذا الجانب أيضاً على الاهتمام بالمعرفة المُرتبطة بالأخلاق والقيم الإنسانية، وقضايا الانتماء الوطني والإنساني وشؤون العولمة. وطرح الجانب كذلك الحاجة إلى المهارات المُناسبة للتعامل الاجتماعي والمهني، ومن ذلك مهارات التواصل، إضافة إلى القدرة على التعامل مع تقنيات المعلومات والاستفادة منها.

في الجانب الثالث، جانب الشخصية المسؤولة، قسم البرنامج المسؤولية إلى أربعة أقسام رئيسة. أول هذه الأقسام يرتبط بالمسؤولية الأخلاقية تجاه الذات وتجاه الآخرين. ويتعلق القسم الثاني بالمسؤولية تجاه التطور والتنمية على كُل من المستوى الشخصي ومستوى المُجتمع. وركز القسم الثالث على المسؤولية المعرفية وقضية التعلم المُستمر والاستجابة للمُستجدات. واهتم القسم الرابع والأخير بمسؤولية الالتزام بالقانون ومُتطلبات المواطنة الصالحة مع التفاعل إنسانياً مع معطيات العولمة.

يتمتع جانب الشخصية المسؤولة بأهمية خاصة لأن هذه الشخصية هي الموجه لتحصيل واستخدام كُل من المعرفة التخصصية في مُمارسة المهنة، والمعرفة والمهارات العامة في التعامل مع المُجتمع. وإذا كان نيل المعرفة التخصصية، واكتساب المعرفة والمهارات العامة، مُمكنا عبر المناهج الدراسية والنشاطات المُختلفة، فإن بناء الشخصية المسؤولة يحتاج إلى أكثر من ذلك.

يحتاج بناء الشخصية المسؤولة إلى بيئة جامعية مُحفزة للمسؤولية مبنية ضمن سلوك مسؤول لجميع أصحاب العلاقة ليس فقط طُلاباً ومدرسين، بل وموظفين أيضاً. وذلك سواء في النشاطات الصفية المُرتبطة بالمناهج الدراسية والمشروعات البحثية، أو في النشاطات غير الصفية والأعمال الإدارية، خارج إطار هذه المناهج والمشروعات.

ولا شك أن مُمارسة الأعمال وأداء الواجبات بدافع روح المسؤولية، يسمح بالحد من الضوابط الإدارية والإجراءات الروتينية، ويُسهم إلى تحقيق الحد الأعلى من الإنتاجية بما يشمل اكتساب المعرفة بشقيها التخصصي والعام. فبيئة المسؤولية بيئة التزام ذاتي غير قسري بالعمل والأداء، وتمتاز إن تحققت بكشف أي تصرف غير مسؤول لأنه يبدو خارجاً عن المألوف. ويُضاف إلى ذلك أن مثل هذه البيئة هي بيئة مُحفزة للمُبادرة دون قيود، وللإبداع والابتكار والعطاء المعرفي والتفاعل مع المُجتمع.

ولعل مُؤسسات التعليم العالي هي الأكثر جدارة ببناء بيئة المسؤولية، لأنها مُؤسسات معرفية، والمعرفة كما ذكرنا في بداية المقال تقترن بالمسؤولية، حيث الآية الكريمة التي تقول “هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أُولو الألباب”. وترتبط المعرفة من ناحية أخرى بالحكمة، حيث الآية الكريمة التي تقول “ومن يُؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً وما يذكّر إلا أولو الألباب”.

نُريد من أُولي الألباب في الجامعات من أساتذة وطُلاب وموظفين أن يحملوا روح المسؤولية والالتزام بقلوبهم، وأن يعملوا بالحكمة المُكتسبة في عقولهم. فليس أفضل من أن تُؤدى الأعمال بمسؤولية يُحركها حماس القلب، وبحكمة تقودها رجاحة العقل. بذلك تستطيع مُؤسسات التعليم العالي أن تكون مثلاً رائداً يُحتذى لكُل المُؤسسات الأخرى في كافة المجالات. وما أجمل من أن تتمتع جميع المُؤسسات التي يقودها خريجو الجامعات بروح المسؤولية وقوة الحكمة، والله ولي التوفيق.

عن صحيفة إنماء (1)

شاهد أيضاً

ضبط و تطوير المجتمع الوظيفي

نسرين ابو الجدايل   كم هو جميل أن تكون بيئة العمل صحية إيجابية، محفزة، صالحة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *