الرئيسية / HOME / مقالات / الأمريكان والفئران

الأمريكان والفئران

  • محمد الحسين

 

في خمسينيات القرن الماضي، وفي أعقاب الحرب الكورية، قام أطباء نفسيون بدراسة ألف جندي أمريكي أُطلق سراحهم بعد أن كانوا معتقلين في أيدي الشيوعيين في كوريا الشمالية. أراد الأطباء معرفة السلاح المدمّر الذي استخدمه الشيوعيون والذي قتل الكثير من الجنود المعتقلين، وحطم معنويات البقية بشكل لم يسبق له مثيل في تاريخ المعتقلات في الحروب الأمريكية كلها.

في البداية، شكّ الأطباء أن الشيوعيين استخدموا أساليب تعذيب تقليدية فتاكة، إلا أنهم صُدموا بالحقيقة. لم يستخدم الشيوعيون أي وسيلة تعذيب، بل لم يضعوا سياجاً حول المعتقل، ولم يَحمل السلاح إلا عدد ضئيل جداً من حرّاس المعتقل. بدا الأمر مسالماً جداً، حيث لم يتعرض إلا 5% فقط من المعتقلين للضرب في حالات قليلة. والأغرب.. لم تكن هناك أي محاولة هروب من قِبَل الجنود الأمريكيين! إذاً ما الذي تسبب في وفاة 38% من المعتقلين؟ ما الذي دمّر معنويات البقية بحيث امتنع نصفهم عن التواصل مع أقربائهم بعد إطلاق سراحهم؟

◊ لماذا ماتوا؟

بعد دراسة مستفيضة، خلُص الأطباء إلى أن ذلك السلاح الفتاك لم يكن سوى «اليأس»!

نعم اليأس. فقد وضع الشيوعيون برنامجاً خبيثاً يهدف إلى قتل كل أسباب الأمل في نفوس المعتقلين. على سبيل المثال، حرموهم من كل الرسائل المفرحة التي تصلهم من ذويهم، وأتلفوا رسائل الحب والأشواق التي بعثتها زوجاتهم، وسمحوا فقط بتمرير الرسائل المثبطة كالفواتير المتراكمة، وأخبار الوفيات «والأخبار التي يُفهم منها أن الزوجة بدأت تبحث عن حياة أخرى». كذلك حفزوا المعتقلين على الإبلاغ عن بعضهم البعض إذا حدثت تجاوزات، بحيث من يبلّغ عن صاحبه ينال جائزة مجزية «سيجارة أو حلوى»، مما أفقدهم الثقة ببعضهم البعض، وجعل كل واحد منهم يشعر أنه وحيد في مواجهة المجهول. كذلك أُجبر الجنود مراراً وتكراراً على الوقوف أمام زملائهم والاعتراف بكل الخطايا التي فعلوها في حياتهم، الأمر الذي كرس في نفوسهم الشعور بالدونية. هذه الأساليب وغيرها حطمت معنويات الجنود إلى درجة مميتة.

◊ لا حياة مع اليأس..

قَتل اليأس المئات من الجنود، ولكن خطر اليأس لا يقتصر على المعتقلات الحربية. فقد وجدت دراسة أجريت في «مختبر التعداد السكاني» في كاليفورنيا أن الشعور باليأس يزيد خطر الوفاة بشكل كبير، وقد يؤدي إلى النوبات القلبية والسرطان والعياذ بالله. فأثر اليأس على صحة الإنسان حقيقة لابد من التعامل معها بحذر.

ولا أدري إن كان «مصطفى كامل» على علم بهذه الحقيقة عندما أطلق مقولته المشهورة: ”لا يأس مع الحياة ولا حياة مع اليأس“، فها هو العلم يثبت فعلاً أن.. لا حياة مع اليأس.

◊ بل الحياة مع الأمل

حسناً دعني أخبرك الآن عن الأمل. نتيجة التجربة التالية ستعجبك.

في خمسينيات القرن الماضي – بنفس الفترة التي جرت فيها الحرب الكورية – قام عالم اسمه «كُرت ريختر» بوضع فئران في وعاء زجاجي مُلِئ نصفه بالماء، وأراد أن يعرف مدة صمود الفئران وهي تسبح قبل أن استسلامها للغرق. في التجربة الأولى، بقيت الفئران تحاول النجاة ل15 دقيقة فقط قبل أن تتوقف مسلّمة بالهلاك. أعاد «ريختر» التجربة، ولكن هذه المرة، أنقذ الفئران بعد سباحتها ل «15 دقيقة»، فأخرجها وجففها وجعلها تستريح لدقائق، ثم رماها مجدداً في وعاء الماء. النتيجة؟ استطاعت الفئران السباحة لمدة «60 ساعة» قبل الاستسلام!!

ما الذي مكّن تلك الفئران الضعيفة من الصمود ل240 ضعف المدة التي صمدت خلالها فئران التجربة الأولى؟ إنه الأمل. فقد حصلت فئران التجربة الثانية على دفعة أمل بعد أن تم إنقاذها، فعاشت تسبح لأيام بسبب ذلك الأمل.

◊ أثر كالسحر

هذا الأثر الإيجابي الذي يشبه السحر موجود في الإنسان أيضاً. فللأمل آثار جمّة جديرة بالتفكّر. على سبيل المثال، وُجد أن للأمل مفعول كبير في تقليل الألم، فالأمل يساعد على إفراز هرمونات الإندورفين والإنكيفالين والتي تشبه في تأثيرها حبوب مسكنات الألم. والأمل يؤثر إيجابياً على عمليات التنفس والحركة والدورة الدموية، ويحفز الجهاز العصبي للقيام بعمليات من شأنها أن تسرّع الشفاء.

أما نفسيّاً، فالأمل يحفز على السلوك الصحي، كتناول الأغذية المفيدة والقيام بالتمارين الرياضية، لأنه يزيد من ثقة الإنسان بمستقبل أفضل، فيسعى للوصول إليه عملياً. ومن الواضح أيضاً أن السعيدين، هم بلا شك ذوو آمال مشرقة في الحياة. وكما حصل مع فئران «ريختر»، فالأمل يحث الإنسان للتحدي، ويدفعه للكفاح متجاوزاً حدود ما ظَنّه مستحيلاً.

سجون الأفكار

قد يحسب البعض أنه مسجون في معتقل كذاك الذي في كوريا الشمالية، وقد يظن أنه يسبح في وعاء زجاجي مرتفع الجدران دون أمل بالنجاة. لكن لنتذكر أن كل ما نحسبه مستحيلاً هو مستحيل في أذهاننا فقط. ولنعلم أن ما نظنه غير ممكن هو ممكن جداً لو تسلحنا بسلاح الأمل.. الأمل بالمستقبل، الأمل بالحياة، وقبل ذلك.. الأمل بالله عز وجل.

غاب الأمل عن جنود أمريكا، فماتوا يائسين، وحضر في الفئران، فبقوا مكافحين.

عن نوره النفيسه

شاهد أيضاً

استبشر

مي محمد العلولا استبشر دائمًا بالخير، أمسِك بيد نفسك، تقبلها كما هي، احبها قبل اي …

تعليق واحد

  1. راااااائع جدًا ???
    فعلاً اليأس والأمل سلاحان متضادان فتاكان قد ينزل بك الأول لدركات الشقاء أو يصعد بك الآخر لعالي السماء!
    فقط أحسن الاختيار✨

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *