الرئيسية / HOME / مقالات / السماء دومًا نافذة للإنطلاق

السماء دومًا نافذة للإنطلاق

 

  • يارا خليفة العنزي

كان يومًا دراسيًا مُتعبًا جِدًا! لدرجة أن شكّي بأن أُحافظ على رباطةِ جأشي تلبّسني مُحاولاً أن يجعلني أتخلّى عن خُطاي تجاه أحلامي .

تناولتُ يومي بحلاوتهِ و مرارتهِ ولا أَعْلَمُ كيف مضى !

ولكنّ دهشتي مِن عِبارةٍ كُنت أرددها بلا وعيٍ كانت أكبر من هذا كُلِّه ..

كُنت أردد : { ربِّي إنّي مسّني الضُّر وأنت أرحمُ الراحمين }

كُنت أُرددها بين أنفاسي و حينما أتذكرُّ ما سائني، حتى عند انتهاء حديثي مع أحدهم كُنت أبدأُ سِلسلةً من الترديد لا تنتهي .

بنهايةِ الْيَوْمَ و بزحمةِ الطُرق أثناء عودتي للمنزل أصبح ترديدي تساؤلاً

ما معنى ( ربّي إنّي مسّني الضُّر وأنت أرحمُ الراحمين ) ؟

كيف هو الضُّرُ بهذا الدُعاء؟ أهو فقط ما يضرُّ جسدي أم أيضاً ما يُحاول حرق روحي وإحداثِ ألمٍ في قلبي؟

هرعتُ لمكتبي الصغيرِ أركضُ فور دخولي للمنزل، أبحثُّ بين أرفُفي عن كِتَاب تفسير الْقُرْآن! الذي كان أمام نصبِ عينيَّ لكنّ إلحاحي الدّاخلي منعني من رؤيته بالبداية ..

أخذتُ مجُلّدات ابن كثير لتفسير الْقُرْآن العظيم وبتُّ أُقلّبُها حتى وصلتُ للصّفحةِ التي طالَ بين الأرفُفِ بحثي عنها في سورةِ الأنبياء :

” وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ ۖ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَىٰ لِلْعَابِدِينَ (84) “

وبدأتُ أقرأُ .. و أقرأ .. وأقرأ حتّى استوقفتني دمعتي الذي سقطت على الْكِتَاب وحجبت رؤيتي ..

ضممتُ الْكِتَاب وكأنني أضُمّ الصبر كُلّهُ إليّ مُرددةً الحمدُلله !

مارأيتهُ بين صفحات قصّة نبينا أيوب كان كفيلاً بأن يمسح على قلبي و يَشُدّ على يدي، نبيّنا أيّوب الذي ابتلاهُ اللهُ في جسدهِ ومالهِ وولده بعد أن امتدّ بلاؤه سنوات طويلة خرَّ ساجِداً يَقُولُ : اللهم بعزّتك لا أرفعُ رأسي أبداً حتى تكشِف عنّي، فما رفع رأسهُ حتى كشف عنه !

وبين هذا همست لي قصّتهُ بأن أكون أقوى و أتصدّى بإيمانٍ قوي كُلَّ ما يجتاحُني .

أغلقتُ الْكِتَاب وعاهدتُ نفسي يومها أن لا تهُز ثباتَ أقدامي مصاعبُ الحياةِ أبداً، وأن أتسلّح بثقتي بالله حينما يجتاحُني شبحُ الهمِّ و الظلام .

علّمتني هذه الآية أن أتمسّك بحُلمي، أن أرتدي صبري مهما حاولت رياحُ المُعوِّقات انتزاعهُ مني

أن أُجرِّب حتى أنجح و إن فشِلتُ مرة أُعيدُ الكرّةَ حتّى أُردي بكُلِّ ما أخافني، حتّى أطرحُ الصعب أرضاً

وأن أستلَ سيفي و أتجرّد من خوفي وفشلي وأمضي بمعركتي بثقتي .. بشجاعتي .. بإيماني ..

إن أحلامَنا و طموحاتنا و تطلُّعاتنا يا أصدقاء هي دوماً أرضُ معارِكنا الكُبرى،

هي ذلك المُحيط الذي نُبحِرُ فِيهِ بحثاً عن مرسى وصولنا إليها ..

ولرُبما كان لأحلامِنا مرارةٌ في الجُهد، لكننا نجدُ بين ثناياها لذةً تُنسينا ما تحامل علينا !

فجهدٌ صغير قد يفتحُ لأحلامنا آفاقاً كُبرى! وإصرارٌ كبير قد يجعلُ الصعب هيّناً لسواعِدِنا ..

فمصاعبُ أحلامنا لا تقتلنا لكنها تُحيي الأمل فينا ، وإن لم تكن أحلامُنا تُخيفنا ! فهي ليست جديرة بالتحقيق ..

فنحنُ لأحلامنا !

نَحْنُ لها ! نَحْنُ لأحلامنا وصِعابها،

نَحْنُ للذةِ الحالمين التي ستبقى بعد التحقيق، نَحْنُ لشُعلةِ جُهدٍ تُضيءُ طريقنا !

فبين أحلامٍ لا تغيب ، لا تموت ، لا تنحني لمخاوف الظلام : وُلِدنا !

ومن أعتابِ تحققِ حُلمٍ ما يولدُ فينا حُلمٌ جديد ..

فحين يجتمعُ فينا الحُلمُ و العطاء :

“ تَكُونُ السماءُ دوماً نافذةً للإنطلاق ”

وإن أحزنتنا هذه الْحَيَاة لنأوي دوماً للكِتابِ الذي آواني ،

ولِنستظِلَّ بدُعائنا عن حرارةِ ما ممرنا به ..

أن نكون طيوراً مُحلقةً تبحثُ دوماً عن سماءٍ ترسمُ بها لوحةً مُشرِقة تسكنُ فيها.

عن نوره النفيسه

شاهد أيضاً

البندري الحصين ‏بمرور ٨٨ عاماً من التقدم والتميز لمملكتنا الحبيبة نحتفي بتأسيس مجدها وتوحيد كلمتها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *