الرئيسية / HOME / مقالات / ما بعد الطلاق

ما بعد الطلاق

  • شهد آل مساعد

تمّ الانفصال بنجاح بعد حياة زوجية يملؤها الصراع والعراك والمناوشات واختلاف الأفكار كان حصاد هذه الحياة ابن أو ابنان أو ثلاثة فأكثر. الطرفين كل منهما في طريق لكن مازال هناك وصلة تربطهما (الأبناء) وحضانتهم ومن الأحق بهم.

حضانة الطفل قضية تضج بها المحاكم في ظل ازدياد معدلات الطلاق فالمرأة في هذه القضية كانت الطرف المظلوم تتخبط بين قضايا الطلاق والحضانة والنفقة إلى أن صدر القرار التاريخي عام 2014 الذي أحدث نقلة حادة في حياة المرأة بعد حصولها على حق الحضانة كما بيّن القضاء أن المرأة وفق الأصول الشرعية تُنصّب أحيانًا لتكون ولية على غيرها أو ناظرة على الأوقاف، وفي هذا أحكام عدة منذ نشأ القضاء الشرعي في المملكة، والقضاء يفرّق بين كونها حاضنة وكونها ولية، فليس لها أن تتصرف تصرف الولي بموجب صك الحضانة.
تنتهي قضية الزوجان فماذا عن الاطفال؟
إن الطفل خلال السنوات الخمس الأولى من حياته يحتاج إلى الكثير من الرعاية والحنان والاستقرار الداخلي.
وإذا أثّر الصراع القائم بين الأبوين في إشباع كل احتياجاته خلال هذه السنوات، فإن الطفل يصبح أسير المرحلة التي عاش فيها هذا النقص في الإشباع ويظل متقوقعًا داخلها حتى بعد انتهائها ودخوله في المرحلة التالية.
أما فترة ما بعد الطلاق التي ينتظر الطفل خلالها الحكم بالحضانة لأحد الأبوين، فتكون من أكثر الفترات العصيبة التي تمر في حياته، حيث إن كلاً من الأبوين يحاول جذبه تجاهه وإقناعه بأنه ينتمي إليه وإلى أسرته ولا ينتمي إلى الطرف الآخر، وهي محاولة منهما لتشكيل هويته، مما يجعله يعيش في صراع شديد يصوّره كالسلعة التي تشترى ولا يراعى فيها ضعفه وإنسانيته. الأمر الذي يستمر معه حتى مرحلة الرجولة فتتأثر ملامح شخصيته وسبل اتخاذه قراراته، يتصرف الأطفال من مختلف الأعمار تجاه طلاق والديهم بطرق مختلفة، فقد تناقش الباحثون في أي مرحلة يواجه الطفل الصعوبة الأكبر في التكيف مع طلاق الوالدين.
فقد وجدت بعض الدراسات أن الأطفال الأصغر سنًا يعانون أقل ويتعاملوا أفضل ويهابوا الطلاق أقل من الأطفال لأكبر سناً، ولكن بعض الدراسات الأخرى وجدت أن الأطفال الأصغر سناً يتكيفوا بصعوبة أكبر من الأطفال الأكبر في وقت حدوث الطلاق، وأشارت نتائج دراسات أخرى أن حالات الطلاق التي تحدث قبل بلوغ الطفل تؤثر وتعتبر خطر كبير على التطور العاطفي والاجتماعي للأطفال مقارنة بغيرهم من الأطفال أكبر سناً (زل، موريسون، كويرو 1993).
عمر الطفل يحدد مامدى تأثره بالطلاق، فحديثو الولادة والرضع (2 ـ 5 سنة) تأخر في الكلام، والشعور بالغربة أثناء زيارة الأب أو الأم غير الحاضنين، أصبحت أجواء المنزل أقل تعارفاً وأقل تحفيزاً على إقامة علاقات اجتماعية.
مرحلة الحضانة (3 ـ 5 سنة) ارتباك في الهوية، وأفكار لا عقلانية، الشعور بالذنب واللوم. تراجع في النمو، قلق تفريقي، زيادة العدوانية، انخفاض التواصل بين الطفل والبالغين والتحفيز المعرفي، انخفاض القدرة العقلية والتحصيل في الدراسة.
أطفال المرحلة الابتدائية (5 ـ 9 سنة) حزن عميق، آمال لإعادة لم الشمل، والخوف من إمكانية الاستغناء عنهم، ورفض (الطعام ـ المال… الخ). وانخفاض التحصيل، ومستويات أقل عن أقرانه في المهارات الاجتماعية والتعارف، وزيادة العنف والتمثيل.
أواخر المرحلة الابتدائية (9 ـ 12 سنة) غضب عارم، حزن، كآبة، زيادة الاندفاع مثل (الكذب، الغش، السرقة) مشاعر بالوحدة والعزلة، شكاوى نفسية، الخوف من المدرسة.
المراهقون (12 ـ 18 سنة) أكثر اعتماداً على نفسه، مشاعر كآبة تتبعها العزلة، غضب، بعض الأوقات مصحوب بعنف، خسارة التحكم في النفس يؤدي إلى استقلال غير ناضج أو إشراق أقل ينتج عنه زيادة التصرفات الخطرة. وعن التأثيرات طويلة الأمد للطلاق علي الأبناء والتي حاولت الدراسات رصدها في بعض دول العالم أنه قد لوحظ أن30% من الأطفال تكيفوا بعد طلاق الوالدين بنجاح, و40% كانوا وسطا بين النجاح والتكيف ومعايشة بعض المشكلات، أما 30% الباقية فاستمرت لديهم مشاكل طوال الوقت، وتمثلت تلك المشاكل في استمرار الإحباط والغضب والرفض للأب الذي ترك البيت، أو الحزن مع اجترار ذكريات ما قبل الطلاق ومعايشتها بصورة خيالية مفرطة.
إن من أهم العوامل التي تزيد من حدوث تلك التأثيرات هو عدم تعاون الوالدين بعد الطلاق، ومشاعر العداء المتبادلة وتحميل الأطفال رسائل لتوصيلها دون الحوار المباشر بين الوالدين، وحديث أحد الوالدين عن الآخر بصورة سيئة، وعدم الوفاء باحتياجات الأطفال المادية والمعنوية والاتهامات والقضايا المتبادلة بين الوالدين في المحاكم وتدخل أطراف أخرى تزيد من تفاقم الصراع، وعدم استقرار الطفل في منزل أحد الوالدين وتشتته في المكان الذي ينتمي إليه، وحرمان الطفل من أحدهم، أو توصيله ما يعني أن أحد الوالدين لا يحبه أو أنه سيء ويضر بالطفل، فحين يعلم الطفل أن والده سيء وأنه ابن لهذا الأب فيفهم أنه هو أيضًا سيء وأنه غير مرغوب مثله، وغالبًا ما يصاب بالاكتئاب أو اضطراب السلوك، كما يعاني أطفال المطلقين أيضًا من ضغوط لعبة اللوم المتبادل بين الوالدين، أو الصراعات من أجل حضانة الطفل، وهذه الضغوط يمكن أن تزداد تعقيدًا بفقد الطفل للاستقرار وتأرجحه بين الوالدين المنفصلين، أو انتقاله لمنطقة أخرى نائية تبعده عن أصحابه من منطقته التي يعيش فيها، وغالبًا ما يغيرون مدرستهم أيضًا، كما أن اكتئاب الوالدين بتأثير الفشل والطلاق قد يلعب دورًا أيضًا في سوء حالة الأطفال النفسية، وقد تكون هناك ضغوطًا اقتصادية لتدهور دخل الأسرة المادي.
ومن الملاحظات المثيرة تأثر درجات مادة الرياضيات لدى أطفال المطلقين بينما لا تتأثر درجات مادة القراءة لديهم، وليس هناك خطورة من إظهار الأطفال لمشاكلهم السلوكية مثل الشجار والمشاحنات وسوء السلوك، فلا شك أن حدث الطلاق بالنسبة للوالدين يعد حدثًا جللاً من أحداث الحياة وكذلك بالنسبة للطفل، فالإستمرار في حياة أسرية مليئة بالمشاكل والصراعات علي كل صغيرة وكبيرة أو البرود العاطفي وسوء التواصل بين الزوجين أسوأ تأثيرًا على الأطفال من الطلاق، بشرط أن يكون الطلاق حضاريًا بمعنى أن يتعاون الوالدان معًا وأن يعي كل منهما أنه يمكن أن يكون زوجًا غير مناسب ولكنه يمكنه أن يكون أبًا جيدًا، وأن يظهر كل منهما احترامًا وتقديرًا للآخر أمام الأبناء، وألا يستعمل الأطفال في حمل رسائل من أحدهما للآخر ولكن يتم تواصلهما بصورة مباشرة.
إذا تحقق ذلك فإن تأثير الانفصال يكون إيجابيًا على الأطفال أكثر من الاستمرار في حياة أسرية غير مريحة لكل الأطراف. فمن الواجب على الأبوين أن يكون انفصالهما انفصالًا راقيًا يحافظون على نفسية الطفل سليمة من خلال تفهم الآباء والأمهات أن الطلاق ليس صعبًا على الأطفال إذا تم التمهيد له بشكل صحيح، عن طريق مناقشتهم ومشاركتهم الأمر بهدوء، وأن الطلاق لم يحدث بسببهم، على كل طرف ألا يتحدث بالسوء عندما يتحدث عن الطرف الآخر أمام الأولاد، ولا يسمح أي طرف منهما للعائلة والأقارب بالحديث عن الأمر أمام الأطفال.
 يجب عمل نظام جديد بعد الطلاق يسمح للأطفال بالتواجد مع الأب والأم سوياً، وأن يحافظ الطرفان على هذه المقابلة ولا يخلف الأب وعده لأبنائه، وفي حالة تغيب الأب عن أحد هذه المقابلات على الأم أن تلتمس له العذر أمام أبناءه. يجب أن يكون الطرف الأبعد على تواصل مستمر مع أطفاله بالاتصال التليفوني اليومي، ليكون متواجد دائماً في حياة أطفاله.
على الأب أن يعلم أن الأطفال وديعة إلهية تكتب باسمك يجب أن يقوم بواجبه ليقبض الأرباح المعنوية، وعلى الأم المطلقة أن تتقبل الوضع الجديد بسرعة حتى لا تنعكس نفسيتها السيئة على الأولاد. لا يجب استخدام الطفل كمرسال بين الأبوين، أو أن يستخدم الطفل كجاسوس لمعرفة الأخبار عن الطرف الآخر، ولا يجب أن يتعامل الأبوين مع الأطفال على أنهم أطباء نفسيين يجب أن يستمعوا دائماً لمشاكله إذا شعر الطفل بالحنين لأمه أو بالذنب أثناء الزيارة المخصصة للوالد، لا يجب أن يشعر الأب بالحزن أو ينهي الزيارة ويوصل الطفل إلى أمه ،أو إذا قالت البنت للأم “أريد رؤية أبي” لا يجب أن يكون الرد “لا أرغب في سماع سيرته” ، كل هذه التصرفات خاطئة وتؤثر على الطفل بطريقة مباشرة.
لذلك إذا شعر طفلك بالذنب أو الحنين يجب أن يقال له : “أعلم أن الزيارات لا تروق لك، أنا احترم مشاعرك، الذنب ليس ذنبك، إذا رغبت في أن تتحدث مع أبوك /أمك الآن دعني أطلب لك الرقم”.
في حالة حدوث مشكلة خاصة بالأولاد في الحياة أو الدراسة، لا داعِ لإلقاء اللوم على الطرف الآخر، كل المطلوب من الأب والأم هو مناقشة المشكلة والبحث لها عن حلول سريعة.
إذا علم الأب أن الأم تمنع شيئاً ما عن قصد عن الأطفال، لا يجب أن يسمح بها الأب من باب العند والعكس صحيح ، منافسة الطرف الآخر هنا في غير محلها وليست في مصلحة الأطفال. لا تحاول أن تشتري حب أولادك بالخروجات والهدايا ، لأنها طريقة خاطئة لكسب ود الطفل.
ختاما اختيار شريكة الحياة والموافقة على شريك الحياة لم يكن للأطفال يد في ذلك، بالمقابل لا يد لهم في الطلاق.

عن نوره النفيسه

شاهد أيضاً

استراتيجية المشروعات ومهارات القرن الواحد والعشرون

بندر المطلق     تحرص المدرسة المعاصرة على تقديم التعليم والتعلَم وفق نظريات تفسر التعلم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *