الرئيسية / HOME / مقالات / أصنامنا وأصنامهم

أصنامنا وأصنامهم

 

  • عثمان الثويني
لم ينتابني الشك يوماً في أي بقعة جغرافية نعيش اليوم حين أقحمت نفسي في جدليات عبادة الأوثان في العصر الجاهلي القديم والزمان الجاهلي الحديث، فمهد الرسالة الخالدة المخلصة للنفس البشرية من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد قد انطلقت من شبه جزيرتنا العربية حتى جابت كل أرجاء الدنيا عدلاً وسلاماً ودحراً للظلم، لكن حال أمتنا الإسلامية اليوم يرثى له حين أزال من ذاكرته مشهد هدم النبي عليه الصلاة والسلام للأصنام يوم فتح مكة واشترى له عدةً جديدة لبناء الأصنام من جديد.
إن الخوف على أمة الإسلام اليوم ليس من الشرك الأكبر بالله تعالى واتخاذ (يعوق) و(يغوث) و(نسرا) أصناماً تعبد من دون الله من جديد، ولكن الخوف كل الخوف هو من الأصنام التي نصنعها بأيدينا ونكبرها ونعظمها حين نضع لها مقداراً ونصيباً مسيراً لواقع ديننا ودنيانا، فنحن من يصنع الظالم ويركع له ويقدم له القرابين، لا بل ويذرف عليه الدموع يوم رحيله وكأن الظلم أصبح فاكهةً استسغناها في حياتنا وفطمنا أجيالنا عليها.
لست معتبراً نفسي مبالغاً حين أزعم أن أخطر صنم بنيناه بأيدينا هو انزال النصوص الشرعية التي ترتب العلاقة وتسير الأحوال في دولة بنيت على أركان ومقاصد الشريعة الإسلامية مهما كان شكلها الإداري على واقع مرير لدول بنيت على عبادة الطاغوت وهدمت كل ما يرتبط بالحفاظ على كليات الدين الخمس ومقاصده العظيمة، وتأتي مرحلة عبادة تلك الصنم بتكميم الأفواه بحجة أن ما يتنظم حياتكم أيها البشر هي النصوص الشرعية التي لا يمكن مناقشتها أو الحديث حولها، فهنا نكون قد بنينا صنماً لن يهدم لا بمعول ولا بفأس لقرون طويلة.
إن وجه الشبه بين أصنام الجاهلية وأصنام عصرنا الحالي هو المصلحة والاستفادة المادية والمعنوية لكل من يبني تلك الأصنام ويقتات عليها، فمن تأتيه الهبات من تنظيف المعبد لزوار هو بذاته من تأتيه الهبات حين يمجد أصنام الظلم والاستبداد وكبت الحريات وسلب الحقوق، ولكن وجه الاختلاف أن أصنام عصرنا أخطر من أصنام الجاهلية بكثير.

عن نوره النفيسه

شاهد أيضاً

نوافذ الصبر

نورة الهزاع كرسيٌّ طال مكوثه ولم يتبرع أحدٌ لإزاحته لقد صُنع خصيصاً لمن أصبح للانتظار …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *