الرئيسية / HOME / مقالات / الجدار العازل

الجدار العازل

  • عثمان الثويني 

كثيرة هي الحالات التي تمر على الأطباء في المشافي التي تعاني من انخفاض في معدلات المناعة التي قد يعرف سببها بعض عمل بعض الفحوصات المختبرية والتعرف على السجل التاريخي والعائلي للحالة المرضية، وبعد أن يتم تشخيص الأسباب التي أدت لتلك الحالة يقوم الطبيب المعالج بصرف مجموعة من الأدوية التي تتناسب مع تلك الأسباب، والملفت في ذلك أن التشخيص لمسببات انخفاض المناعة وتدهور الحالة المرضية في المشافي أسهل بكثير من تشخيص حالة انخفاض المناعة الفكرية والاقتصادية والاجتماعية لأي مكون من مكونات المجتمع المدني في أي بقعة من بقاع الأرض.

إن من أكبر المعضلات التي تواجه أي مجتمع حين يريد أن يشخص حالته المرضية وسبب انهيار المبادئ الاجتماعية والدينية والاقتصادية فيه هي قلة الأدوات التي تساعده في التشخيص الدقيق، فمهما بلغت تلك الاختبارات والمقاييس التي ترفع للمجتمع واقعه وتحدد الفجوة بين واقعه الحالي وطموحه المأمول الوصول إليه لن تبلع الدقة والموضوعية التي ستصل إليها الفحوصات المختبرية في المستشفيات، وهنا يصل المجتمع إلى مفترق طرق ذو هاوية سحيقة، فحين يقف المجتمع عاجزاً عن تشخيص الآفات التي انقصت من مناعته أمام مستجدات القيم الدخيلة والأفكار الجديدة سينجر المجتمع حتمياً إلى التطرف الأكثر جاذبية وتأثير ونفوذ، وهنا تكمن الخطورة حين يصبح المجتمع مرتعاً لمن يكون تطرفه محترفاً بسبب ثلة الحيلة للطبقات التي يقع على عاتقها حماية المجتمع.

ولعل الناظر بعين التعقل لصعوبة الحفاظة على مناعة المجتمع بشكل طبيعي ومستقر في أجساد مكوناته سيعلم أن بناء ثقافة الوازع والرادع الداخلي في كل فرد من أفراد المجتمع هي صمام الأمان في ظل العوامل التي يعيشها المجتمع اليوم، وصحيح أن بناء الثقافة أمر صعب ولكنه ليس بالمستحيل، فحين تبنى المناهج الأكاديمية وتوضع البرامج التأهيلية للأسر ومؤسسات المجتمع المدني في اتجاه بناء المناعة الدينية والفكرية والأخلاقية والاقتصادية على أساس الوقاية والوازع  والرادع الداخلي نظرياً وعملياً، سيبنى في نفس الوقت جداراً عازلاً بين أرباب التطرف ومناعة المجتمع يصعب هدمه بمعاول التغريب أو الحداثة.

عن نوره النفيسه

شاهد أيضاً

خدمة المجتمع بين الواقع والاعلام

عبدالله العمري خدمة المجتمع: هي الخدمات التي يقوم بها أشخاص أو مؤسسات، من أجل صالح …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *