الرئيسية / HOME / مقالات / كيف تعيش عمراً إضافياً؟

كيف تعيش عمراً إضافياً؟

  • زهرة بنت أحمد الجامعية 

عندما نعيش لذواتنا فحسب، تبدو لنا الحياة قصيرة ضئيلة، تبدأ من حيث بدأنا نعي، وتنتهي بانتهاء عمرنا المحدود.

أما عندما نعيش لغيرنا، أي عندما نعيش لغيرنا، أي عندما نعيش لفكرة، فإن الحياة تبدو طويلة عميقة، تبدأ من حيث بدأت الإنسانية، وتمتد بعد مفارقتنا لوجه هذه الأرض! (سيد قطب، أفراح الروح).

هكذا قال سيد قطب، وهذا ما كنت أؤمن به دائماً، أننا لم نُخلق لأجل وظيفة لأجل المال، ولم نخلق للزواج لأجل المتعة، ولم نخلق للحياة لأجل أن نحيا ونموت هكذا فقط، لابد أن يكون لكل هذا سبب جدير بالحياة والموت لأجله، يستمر لما بعد الحياة، قبل أن أدرك هذه الحقيقة كنت أتخيل أنني أدور في دائرة مغلقة تتكرر كل يوم، تبدأ بنهوضي للصلاة وتكرار كل ما اعتدت عمله هكذا دون أي معرفة لماذا أفعل كل هذا؟ أعلم أن كل ما أعمله هو عبادة، لكن كنت أبحث عن شيء أقوى، عن حب يجعلني أفجر كل طاقاتي الإنسانية تجاه كل شيء، كائن حي أم جماد، كانت فكرة الموت ترعبني، كلما رأيت شروق الشمس قلت أنني لن أراه في الغد، وكلما رأيت غروب الشمس قلت أنني لن أراه مرة أخرى، أقصى ما يرعبني في الموت هو أنني سأختفي نهائياَ عن العالم، أنني سأكون كأنني لم أكن، كنت عالقة عند هذه النقطة، وغير قادرة على مواصلة الدوران في الحلقة نفسها، وصلت لمرحلة الرغبة في أن أتخلص من خوفي وأواجه الموت الذي أخاف منه .

اليوم أنا لست خائفة من الموت، وأحب كل لحظة، كل نفس أتنفسه أعلم أنه لسبب ما، بدأت من البداية، أحتاج للحب، للحب الذي خلقه الله في نفس كل بشر، لكن الحب الذي أحتاجه ليس حباً عادياً، أحتاج إلى حب ينبع من الروح ويصل لكل الأرواح الجميلة التي تحيط بي وإلى كل جماد وتفصيل دقيق في حياتي، أحتاج أن أحب نفسي، أهلي، أولادي، طالباتي، زميلاتي، جيراني، صديقاتي، كل نفس بشرية تحيا في هذا الكون معي، مهما كان دينها، أو جنسها، أو لونها، أو حقيقتها، أحتاج أن أحب كل الكائنات حولي من حيوانات، ونبات، من كل الجمادات المحيطة بي، الشارع، أو بيت، أو حجر، أو جبل، أن أرى جمال الله يتجلى في كل شيء يحيط بي، هذا كل ما كنت أحتاجه، عند تلك اللحظة فقط أدركت أنني لن أنتهي بعد الموت، سأبقى حاضرة في كل شيء منحته حبي.

اليوم أصبحت أحتضن الجميع بابتسامة، أستقبل طالباتي وأحتويهن بوجه مبتسم، أطبطب عليهن، وآخذهن في حضني، أطلب منهن فقط الصمت، أنقل لهن طاقة الحب التي أشعر بها، أحيانا أطلب من زميلاتي أن أحتضنهن، فقط بدون سبب، أقول لهن أنني أشعر بالحب، وأريد لشعوري هذا أن ينتقل إليهن، قد يراني البعض مجنونة، لكن إن كان الحب جنونا فليكن إذن فأنا مجنونة بهذا الكون الذي يحتويني.

الإشكالية التي تعترض الكثير منا هي فهمنا لمعنى الحياة، عندما تكون الحياة فقط لأجل الذات الأنانية، لأجل تحقيق شهوات مؤقتة مهما كلف ذلك من تنازلات عن قيم الروح الأصيلة، نبدأ بالتنافس، والغيرة، والحقد، والحسد، مفككين أسمى القيم، ومتناسين الفطرة التي خلقنا لأجلها، ننسى أننا جئنا لأجل رسالة، لأجل تنفيذ مهمة تساعد في إعمار هذه الحياة.

لو أن كل منا استمتع في كل عمل يقوم به، وجمّله بالقيم الأصيلة، بالقيم الفطرية التي خلقنا الله عليها، كيف سيكون العالم؟

سأبدأ بسرد تجربتي التي بدأت منذ أسبوعين، وضعت لذاتي هدف ومبدأ، وقلت أن الحب مبدأ كل شيء وأساسه، ولن أدرك السعادة إلا بالحب الخالص الغير مشروط، بدأت بحب نفسي عند هذه النقطة، قلت إنني أريد أن أكون سعيدة، وأنني لن أسمح لأي شيء أن يعكر صفو سعادتي، كنت أدون كل فعل يبهجني بهجة حقيقية خالصة، تجعلني أرفرف كعصفور يختبر الرفرفة لأول مرة، صحوت من النوم وأنا أكرر أنا أتنفس، أنا حية، إذن حان وقت السعادة والاستمتاع بكل لحظة، في ذلك اليوم استمتعت بالماء وأنا أتوضأ، وبصلاتي وأنا أصلي وأشكر الله على الأنفاس الجديدة التي وهبني إياها، تلك فرصة جديدة للحياة، أختبرها للمرة الأولى، استمتعت بكوب الشاي الصباحي وكن ممتنة أنني أستطيع شرب الشاي بكل أريحية، وصلت للعمل ابتسمت لكل من صادفني، كل من واجهني قال أنني أبدو مختلفة، وأخبرت الجميع أنهم يبدون جميلون، كنت أرى ابتسامتهم وسعادتهم بكلماتي وابتساماتي وأحضاني، استشعرت كم هي أرواحنا بسيطة، تستلذ الكلمة الطيبة، وتأسرها الابتسامة الصادقة النابعة من القلب، كنت في ذلك اليوم أستقبل الكل بنفس الابتسامة والحب ورأيت بأم عيني كيف أثرت عليهم تلك الثواني البسيطة، كنت في قمة السعادة.

في نفس اليوم جاءتني طالبة تبكي، لم أتحدث معها في بداية الأمر، أخذتها في حضني مسحت على رأسها، تركتها تبكي حتى استكانت وسكتت، قلت لها أن كل شيء سيكون على ما يرام، وأنها ستكون أفضل، وأنها لازالت تتنفس إذن بإمكانها تغيير كل شيء وجعله أفضل، بعدها ابتسمت وارتمت في حضني تقول أنتِ لست أستاذتي، أنت أختي وأمي، في تلك اللحظة علمت أن السعادة هي الحب الذي منحتها إياه، ومنحتني هي السعادة، أدركت أنني لا أستمد السعادة إلا بالحب، والحب وحده يحقق السعادة، بكيت فرحاً وشكرتها، أخبرتها بأن ابتسامتها وهبتني أجمل ما يمكن أن يهبني إياه أي كائن آخر.

امنحوا الحب لكل ما حولكم، ابحثوا داخل أرواحكم ستكتشفون كم هي أرواحكم جميلة، ستعيشون عمراً مضاعفاً لا ينتهي حتى بعد الموت.

عن نوره النفيسه

شاهد أيضاً

السعودية العظمى فوق هام السحب

دفاطمة بنت عبدالباقي البخيت لم تكن مدة حكم الملك عبدالعزيز آل سعود رحمه الله مجرد …

تعليق واحد

  1. سعيد سالم الفارسي

    جميل جدا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *