الرئيسية / HOME / مقالات / مخاطبة اللاوعي

مخاطبة اللاوعي

  • سميرة البلوشي 

قصة قبل النوم إنه المطلب الذي يستاء منه أغلب الأهل فهم يسارعون ليضعوا أطفالهم في أسرتهم، ويزيحوا عن أنفسهم حملا ثقيلا ويستغلوا ما تبقى من الوقت من أجل أن يتفرغوا لأنفسهم بعد عناء اليوم الطويل.
ولكننا لا ندرك أهمية هذا الوقت في حياتهم، وأن تلك المرحلة التي تسبق النوم هي الأقوى لزرع كل ما نريده في أطفالنا
ففي علم النفس هناك برمجة خاصة للعقل اللاواعي تسيطر على الإنسان مدى الحياة وتكون مسؤولة عن كل قراراته و ردود فعله في حياته وتسمى الإيحاء، وأفضل وقت للإيحاء هو لحظات قبل النوم والتي تدعى” الألفا ” ويمكن عندها أن نغرس كل ما نريد في أطفالنا، أن نعلمهم عن طريق القصص كل ما نستصعب تعليمهم في الحياة اليومية.
فإذا كان النقش في الحجر رمزا للقوة والبقاء فالإيحاء هو نقش داخل الصخر لا يمكن لتيارات الزمن أن تغيره .
الإيحاء يخلق طبعا ومبدأ وقانونا يتربى عليه الطفل لا يخالفه مطلقا وهذا بالإضافة أنهم يكتسبون حب القراءة والتواصل معنا.
ولكن للأسف الشديد الكثير من الأهل يفوتون على أنفسهم هذه الفرصة الذهبية ثم يتألمون ويتساءلون أين ذهبت تربيتنا الصالحة التي ربيناهم عليها؟!
ومنهم من يستعجل ويحكي لهم قصصا مصورة دون قراءتها لهم فنجد الطفل يكبر على حب المشاهدة أكثر من القراءة.
أم الأسوأ هو من كرس وقته وجهده ليقص عليهم قصص دخيلة أتت من الغرب المختلف عنا مثل قصص الأخوين غريم
أو من الشرق من قصص معروفة مجهول كاتبها مثل قصص ألف ليلة وليلة؛ فنجد الفتاة وقد ترسخ في عقلها اللاواعي أن حياتها ستكون تعيسة وحزينة إلى أن يأتي أميرها الوسيم ويمنحها قبلة تكون إعلان بدأ الحياة السعيدة للأبد، وحين تكبر نلومها ونتعجب من أخلاقها وحيائها وكيف أسقطته وهي تقوم بملاحقة شاب وسيم وننسى أنها فقط تبحث عن حب حقيقي ينتشلها من وهم التعاسة التي في عقلها الباطن.
والأسوأ حين نحكي لهم قصص لصوص أسميناهم أبطالا مثل علاء الدين الفتى الأحمق الذي يجد مصباحا سحريا يحقق كل أحلامه أو علي بابا الذي يسرق مال غيره متعذرا أنه في الأصل مال مسروق.
و أما قصة سام وحبات الفاصولياء فهي من أبشع القصص وأكثرها هدما للقيم لأنها تربية كاملة لمعنى الكسل والخداع والخيانة والسرقة حيث أن البطل هو ذاك الفتى الكسول الذي لا يساعد أمه أو يجتهد في الحياة ثم تأتيه ضربة حظ قوية باستبدال البقرة المفيدة بحبات فاصولياء سحرية مثل وهم جميل ينقله فوق السحاب فيجد دار عملاق ثري جدا ويلجأ لزوجة العملاق التي تطعمه وتؤويه دون علم زوجها فيقوم هو بِعضِّ اليد التي أحسنت إليه وخيانتها بسرقة المال من زوجها الثري والهروب ويكرر فعلته لنجاته من العقوبة حتى يكشف أمره فيقوم بقتل العملاق ويصبح ثريا وسعيدا،
ولكي ننزع من طفلنا المعارضة التي قد يقدمها بفطرته السليمة نمنحه المفاجأة السارة والبراءة الكاملة لأعمال سام الدنيئة بأن المال كان في الأصل له والعملاق الثري قد سرقها منه سابقا.
ما الذي يمكن أن ينشأ عليه جيل يؤمن بمثل هذا القصة بكل رموزها الخفية التى تتعمق داخله دون وعي منه
وهل بإمكانه أن يكون مصدر ثقة إذا كان في أعماق عقله يبرر الكسل وانتهاز الفرص و لا يجد مانعا من خيانة صاحب العمل وسرقته ويعتبره ذكاءً وبطولة ويبرر أعماله بالبحث عن أخطاء غيره دون ضمير أو مراجعة لأفعاله فهو البطل وذو الحق الشرعي في كل ما يرغبه.
نحن الآن في حصاد ما تربى عليه جيل اليوم في طفولته ولكن أمامنا فرصة لإنقاذ جيل المستقبل أن نقص عليهم قصة الرسول عليه الصلاة والسلام أو الأنبياء عليهم السلام لنزرع في عقلهم اللاواعي الدين القويم والسمو في الإنسانية أو نحكي لهم عن قصص الصحابة والقادة في التاريخ الإسلامي لينشأ جيل يتصف بالشجاعة والشهامة ومكارم الأخلاق
دعونا ننتهز وقت الإيحاء لنغرس فيهم الدين والقيم وندعهم بعد ذلك للدنيا ليواجهوا ما فيها من تغيرات بثبات وقوة.

بالتعاون مع رابطة إنجاز
@enjaz_g

عن قسم المقالات

شاهد أيضاً

فرحة مملكة وبيعة ملك

سلمان بن ظافر الشهري يحتفي الوطن والمواطنون والمقيمون بالذكرى الرابعة لتولي سيدي خادم الحرمين الشريفين …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *