الرئيسية / HOME / مقالات / من جيل عام 1400-1405هـ إلى جيل عام 1370هـ وماقبل مع التحية

من جيل عام 1400-1405هـ إلى جيل عام 1370هـ وماقبل مع التحية

  • خالد فهد التركي

مجلدات من الصور والمواقف والأحاسيس يصاحبها قفزات في عام مفتوح. لم يكن لديكم سِعة الحاضر المفتوح والمتجدد، وأتقنتم ابتكارات حياتكم الأساسية بخفة وممارسة مستدامة حتى أصبحت منتجات فريدة لديكم. لم يكن لديكم التقنية المتقدمة في وسائل التواصل الرقمية، وكنتم على درجة عالية من تواصل دائم بإحساسكم الفعال واللا منقطع حتى أصبح العالم بين أياديكم أصغر مما هو عليه، وأنا على ثقة أنكم تتناقلون هذا المقال وقد وصلكم الآن عبر وسائل التواصل الاجتماعي الرقمية الحديثة. لم يكن لديكم أساليب تخزين الغذاء الحديثة، ولم تأكلو يوماً طعاماً فاسداً من سوء تخزينه لقدرتكم على إيجاد سبل التخزين البسيطة التي ساهمت في أن تكون امتداداً للتقنيات الحالية ولأساليب التخزين الحديثة والمستبقلية. لم يكن لديكم شهاداتٍ عليا في مختلف التخصصات بالحجم المطلوب لنشر العلم في مجتمعكم الكبير الصغير المترابط ولم يكن لديكم ألواحاً ذكية بأحجام مختلفة وبألوان ترغبونها، ولكن خرج من بيوتكم علماء وفلاسفة ودكاترة ومهندسين وأساتذة وعقول نيرة أشاد بها العالم أجمع في مختلف التخصصات يساهمون في تحقيق كل أهداف وطننا ورؤيتنا الوطنية 2030. لم يكن لديكم ماتترفهون به من التجمع المجتمعي بعد صلاة العصر أو (العِشاوين) أو في عطلة نهاية الأسبوع، ولكنكم لم تشعروا بالملل والسخط والتذمر المعيشي ولم يؤثر على شخصياتكم، وكان جل تركيزكم على كسب قوت عيشكم لتربيتنا وإخراج جيل فاعِلٍ طموح. لم يكن لديكم وسائل وتقنيات تسخين ماتبقى من وجباتكم البسيطة اليومية لأنها لم تكن تكفيكم في الغالب وكنتم تتضاهرون بالشَبعِ في حضورنا إيثاراً منكم لنا وخوفاً على أن ننام ونحن جياع ويؤثر على تعليمنا وبنيتنا وصحتنا. لم يكن لديكم مالاً يكفيكم فوق حاجتكم وغالباً لم يكن يكفي حاجتكم البسيطة في أبسط سبل العيش، وكنتم تتنافسون على إرسال جزء من واجباتكم لجيرانكم ولأقصى ممن يسكنون (حاراتكم)، رغبة في إبقاء علاقاتكم المجتمعية مع الجميع على أكمل وجه وأجمل صورة.ل م يكن لديكم قاعات أفراحٍ ضخمة تقيمون بها مناسباتكم بشكل صاخب ومبتذل، ولكن كانت أروقة وأزقة شوارعكم الرملية المليئة بالحصى هي أجمل أماكن تجمعكم وعزائمكم الكبيرة ومناسباتكم المبهجة، تجملونها بعقدٍ واحد من الإضاءة -إن استطعتم- وسيسجل التاريخ تلك اللحضات على أنها أجمل لحضات (حارة) بكاملها وكامل ساكنيها الذين يشاركونكم كل مسؤوليات الإعداد والتقديم والسعادة والفعاليات المصاحبة لتلك المناسبة. لم يكن لديكم جامعات تكفي تزايد أعداد أبنائكم وبنتاكم، ولكنكم وضعتم جُل خبراتكم وممارساتكم بشتى اختلافاتها وجسّتدموها لتعليمنا أساسيات لن ننساها ونعمل لنقلها لأبنائنا وأحفادنا. لم يكن لديكم حيرة بتحديد وجهتكم السياحية في أوقات العطلات الرسمية أو الفسح العائلية، ولكن كانت وجهتكم على حدٍ أقصى لا تتجاوز (مزرعتكم أو مزرعة أحد أقربائكم الصغيرة) أو (بيت خوالكم) أو (حويكم) الدائم، وإن اجتهدتهم فلن تتجاوزوا بلوغ الطائف والهدا لبضع أيامٍ وتعودون بطاقة متجددة بكم وبنا لاستكمال مسيرة النجاح والبناء والعطاء. لم يكن لديكم متسعاً من الأجنحة الفاخرة في منازلكم لاستضافة ضيوفكم أو أبنائكم وعوائلهم، ولكن كانت أرواحكم وسعة صدروكم هي المتسع الأول لبقاء العديد من أفراد أسركم الذين يتراوحون في معظم الأحيان بين (7-4) فرداً في غرفة واحدة لا تتجاوز (6-5) أمتارٍ في غالب الأحيان، ناهيك عن بقاء عوائل كاملة في تلك المساحات. لم يكن لديكم فواحاتٍ ومستلزمات ومستحضرات تجميل لكم ولمنازلكم، ولكن كانت بيوتكم رائحتها البساطة والنقاء والمحبة حتى أصبحت هي السمة الأبرز في تلك الروائح الجلية الزكية العطرة، وكانت نساؤكم يتجملن بجمال نقش (الحناية) على أياديهن أو خط (كحل) أو (ديرم) أو (الروج السحري) أو (عطر العصفور) أو (كريم أبو وردة) هو ماركتهن المسجلة التي يتسابقن عليها. لم يكن لديكم تقنيات المنازل الذكية، ولكن كانت بيوتكم مبنية على تلك الأسس التي أتاحت دخول الهواء والضوء إلى قاعة تجمعكم وجميع فعالياتكم في (بطن الحوي) وبقاء بيوتكم دافئة في فصل الشتاء وباردة في فصل الصيف من استغلالكم للطبيعة التي بحثتم فيها حتى أمدتكم بكل الموارد الخام التي سعيتم لتطويرها لخدمتكم ولرفاهيتكم البسيطة.لم يكن لديكم وسائل ترفية تُسعِدوننا بها، ولكنكم ابتكرتكم (الدنينة-الطِيرة-الغُميمة) وألعاباً أخرى استجدت مع تقدم الوقت كنتم وكنا بها أسعد الأطفال وكنا نلعب بها دون ملل خلال أوقات مقيدة لا تجاوز فيها إطلاقاً. لم يكن لديكم برامج على سحب تقنية افتراضية لتحتفظوا ببياناتكم ومعلوماتكم ومستنداتكم، ولكن كان لديكم صندوقاً بألوان زاهية خضراء وحمراء وصفراء وزرقاء هو قاعدة التخزين الأساسية لديكم الغير مشفرة إلا بقفلاً في بعض الأحيان، ومن كان على قدرة مالية عالية فلم يملك إلا (تجوري) في بيته ويترك المفتاح تحت (مخدته) القاسية المنقوشة بالورود وبعبارة (صباح الخير) الدافئة التي لا يجرؤ أحداً على رفعها إلا من يملك صلاحية لذلك وصلاحية لدخول ذلك المنتجع البسيط (غرفة النوم). لم يكن لديكم قلة حِيل أو رسوم تنقل وانتقال بين حواريكم أو في أروقتكم وأزقة حواريكم، ولكن ابتكر البعض طريقة ممتعة كـ (القمرق) عند حاجته للتغيير، وفرض السيطرة أو إيقاع العقاب. لم يكن لديكم تصنيفاً لأبناء جيرانكم ومن بعدهم، وكان لديكم مسؤولية تجاه كل أطفال الحارة حتى أصبح من مسؤوليتكم المجتمعية هي الحرص على سلامة وتوجهات وسلوك أطفال الجيران وتبليغ أهاليهم بعد توبيخهم وأخذ موقفٍ إيجابي تجاه ذلك.

لم يتاح ويتوفر لكم الكثير من إمكانياتنا الحالية إيجابياتها وسلبياتها، وأصبحتم جيلاً لن يتكرر أبداً، جيلاً صعد وعانى وتسلق وسقط وأعاد التسلق وصعوباتٍ لن نواجهها، جيلاً تعايش مع كل مراحل العيش البسيط وأخرج جيلاً بلاتينياً من إمكانيات بسيطة وتصل لتكون منعدمة في الغالب. سامحونا على شغبنا وتقصيرنا وعبثنا الذي بدر منا في مراحل عمرنا السابقة، ونحن امتداداً لكم محافظين على كل ما تعلمناه واستقيناه منكم في بيوتنا الطينية والمسلحة البسيطة التي كنا نستمتع دون تذمر متى مادخل علينا الماء فيها من المطر.
أصبحنا في غالبيتنا أرباباً لأسر وأباء وأمهات لأطفال نتعب في تربيتهم ونتذكر كل ثانية كنا بأعمارهم وسلوكياتهم وكنتم تتحملون كل تلك الزلات والتصرفات الطفولية البريئة. تقدمنا بتعليمنا وأخرجنا وساهمنا في صناعة تقنيات حديثة لكل مجالات حياتنا، ومع الأسف قل ترابطنا لانشغال كلٍ منا في شأنه الأسري أو الوظيفي أو التجاري.
وببالغ الحزن والأسى قلّ حتى ترابطنا المجتمعي ليس لعمومنا ولكن (بعضاً) منا أصبح يعيش منفرداً منغلقاً يصنف الأجناس والأناس والمجتمع حسبما يريد، وكيفما يرى. لايسمح ولا يغفر لأحد زلته التي كان يتمناها مسبقاً ليسابق الزمن في قطع علاقته به حياً فكيف به ميتاً! وأصبح أبناؤنا منشغلون ببعض الأجهزة والتقنيات والتصرفات والسلوكيات التي لم نعهدها، وأصبح من يسكن بجانبنا فقط يحمل اسم (جار) دون علم منا عن حاله وعن أحواله وعن أخلاقياته وقد لا نعلم حتى اسمه!
أصبح الجميع يعيش في شبكة عنكبوتية. لم يستغلها الجميع بالشكل الإيجابي ولكن (البعض) وجدها متنفساً له لطقوسٍ سلبية أودت به لانعزال تام في البيوت والمجالس وبين أبنائه وأهله وأصدقائه. أو بث سمومه فيها، حتى في مشاركتنا ومواساتنا لأحد في عزاء أصبحت هي السمة الأبرز في أوجه الحاضرين.
بداخلنا جميعاً رغبة في البقاء على تواصلٍ تام وإيجابي يساهم في كل مامن شأنه أن يرتقي بنا جميعاً وبوطننا وأطفالنا وأحفادنا، ولاتقلقوا علينا فنحن معكم وأبناؤنا وبناتنا ملتفّين على ولاة أمرنا وفي أعناقنا بيعة صادقة لهم وها نحن بصدد تحقيق رؤيتنا الطموحة 2030 التي توثبنا. واستعددنا لها بكل ما أوتينا من قوة ومن موارد وطنية وخطط واستراتيجيات، وجميع أطياف مجتمعنا ضمن فريق العمل بكل أجناسه ومراحله العمرية. ثقوا بأننا جميعاً على قدر عالي من المسؤولية المجتمعية التي ستُوَثِقُ بين قلوبنا وبين أسرنا وبيننا كأفرادٍ فاعلين، ومهما ذكرت لكم سابقاً من أسفي على حالنا فهي صورة واقعية لا تتجاوز نسبة ضئيلة منا، وستتحول تلك النسبة وستنظم للنسبة العظمى الإيجابية.
فشكراً لكم جيلاً ذهبياً سبق عام 1370هـ جيلاً تحمل وعانى وعمِل وثابر واجتهد وأحسن وأخلص وتعايش وفكر وابتكر، والشكر موصولاً لمن بعدكم ولم سبقكم مجتمعين ومنفردين. مهما كانت إحدى الفقرات السابقة تحمل شعاعاً مزعجاً من السلبية البسيطة فهي لاستثارة ما بداخلنا من إيجابية تطغى عليها تماماً وتحفزها لتتحول لعناصر إيجابية أكيدة، نحن بحاجة لقراءة ما مضى بعناية تامة وإن أعدنا قراءته فلا بأس، مقابل أن نمزج ماضينا بحاضرنا ونمد أبنائنا وبناتِنا بكل مايمكنهم من استكمال مسيرة البناء وخلق فرص واعدة أكثر طموحاً، فلسنا أقل من أن تبلغ طموحاتنا تلك الجملة التي ستُخلد في أذهان كل حَيٍ من أجدادنا وجداتنا وآبائنا وأمهاتنا ونحن كذلك وستمتد لأبنائنا وبناتنا وجميع أحفادنا بما قالة سمو سيدي ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع صاحب السمو الملكي الأمير: محمد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود -حفظه الله- ((طموحنا عنان السماء)).

عن قسم المقالات

شاهد أيضاً

عقيم !

محمد علي في كلِ قاعٍ من بقاعِ الغطرسةِ والغرورِ والرياءِ والكِبر أسئلة شوكية ، تكمن …

2 تعليقان

  1. ناصر المحيميد

    من أجمل ماقرأت..

    • جزاكم الله خير أخي ابو ابراهيم ووفقك في الدارين.

      نعم هو جيلنا، خصوصاً وأننا من نفس الجيل والحقبة، من نفس الزمان والمكان، نفس المدرسة التعليمية، نفس الفصل، بهمة وتنافس متارسع وتنافس شريف..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *