الرئيسية / HOME / مقالات / هشاشة الوجود

هشاشة الوجود

  • عهود أحمد باحسن

من منا لا یخشى تلك النهایة التي لا مفر منها؟ و من منا لا یخاف أن یفقد شخصاً عزیزاً على قلبه؟
إن أحداث الحیاة التي نعیشها یومیاً ترینا العدید والعدید من العب , لا شيء یعادل قلق أننا سنتحول من الوجود إلى العدم, و من أناس حاملون للروح إلى جثث هامدة یحملها الأحیاء لنبدأ أول مراحل الوحدة الحقیقیة و الخلوة الإجباریة بین المرء و ربه.
الموت هو ذلك الطریق الذي لا مفر منه، ولا خیار لنا في الابتعاد عنه؛ فالموت هو موتي أنا, والمجابهة لتفاصیل ما بعد الرحیل هي مجابهة تخصني أنا وحدي.
الغرابة في فكرة الموت أنه بعد الصخب والضوضاء التي نعیش فيها نجد أنفسنا فجأة أصبحنا ذكرى لیس لنا وجود وسط تلك الأحداث الیومیة.
إن الفاجع الحقیقي في الرحیل هو الفقد المفاجئ الذي یبدأ بتغییر حیاة من هم باقون على قید الحیاة, في الفراغ الذي یخلق, وفي تخیل بكاء الأمهات والآباء والأخوات والأبناء. ذلك الشتات الذي ربما سیعم على أبناء فقدوا إحدى والديهم حینما یدركوا أنهم فقدوا تلك الجدران الحصینة التي تبدأ تنهار من حولهم دون مقدمات. تلك الجدران التي كانت تحميهم بكل قوة وأمان ولا یمكن لأي أشخاص آخرون أن یمثلوا تلك الجدران من جدید لیحققوا ذات الأمان.
حینما نبدأ في التفكیر بالموت نبدأ باستیعاب أن الرحیل قریب منا جداً, وحینما نفقد أحداً من حولنا نشعر بأن ربما یكون الرحیل المقبل لأحد الأشخاص المقربین إلینا و نتسائل: من سیرحل في الأیام القادمة ممن أحببناهم و مثلوا لنا الكثیر؟ حینما أرى الموت وهو یخطف أرواحا متعافیة في أوج شبابها أو أطفالاً في بدایة مراحل نموهم تبدأ ترسخ في ذهني فكرة أن الموت لا یقترب فقط من الكبیر في العمر أو المریض. فكم من آباء دفنوا أبنائهم، وكم من مريض يسكن الألم جسده مات له قریب أو صدیق متعافٍ. الموت هو ذلك القدر المكتوب في اللوح المحفوظ بأسماء متتالیة عند الله, لا یعرف أسباباً ولا أعماراً.
التفكیر في الموت یجعلنا نغیر مفاهیم حیاتنا واهتمامتنا, حینما ندرك أننا راحلون وتاركون من وراءنا ملذات الحیاة حاملون فقط أعمالنا بحسناتها وسیئاتها ولا یبقى منا سوى ذكرى.
إن الألم الحقیقي والنحیب المستمر لا یكون إلا على رحیل أشخاص یمثلون لنا الكثیر, أما من لا تأثیر لهم في حیاتنا ولا حضور فالحزن عليهم یكون وقتي لمجرد مسألة الوداع وهذا أمر طبیعي.
إن الفیلسوف “كارل یاسبرز” یجد أن الوعي بحقیقة الموت هو وعي بهشاشة الوجود.

عن قسم المقالات

شاهد أيضاً

5 قضايا يتفق عليها النخبة المثقفة في أزمة التعليم

عيسى وصل لعل اليومي العالمي للمعلم الذي يوافق 5 اكتوبر أثار قريحتي الكتابية ووجدت فيها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *