الرئيسية / HOME / مقالات / لحظة تأمل

لحظة تأمل

  • فاطمة السبيعي

بجانبِ السور وحولي مئات بل آلافُ الأشخاص المختلفينَ شكلًا وعُمرًا، جنسًا وانتماءً ومع ذلك نقفُ بجانبِ بعضنا البعض. أخرجتُ رأسي ومددّتُ بصري بعيدًا فتأملّتُ بهذا المنظَرِ المُهيبِ العظيّم، في بقعةٍ واحدة ومكانٍ واحد على أرضٍ واحده يجتمعونَ على مدارِ السنين! كبارًا وصغارَ، نساءً ورجال، طفّلٌ وشابْ، وممن كسا شعرَهُ الشيّبَ يسّتندُ على عصاه..
يأتونَ من بُلدانٍ مختلفة يقطعونَ ألاف الأميال والكيلومترات، لُغاتٌ مختلِفة وثقافاتٌ أشدُّ اختلاف، ومع ذلكَ يجتمعون في كلِ سنة، يصّطفونَ على خطٍ واحد وفي اتجاهٍ واحد ويستجيبونَ لنداءٍ واحد “الله أكبر، الله أكبر”!
الله أكبر! حقًا وإعجابًا بهذا المنظر السنويّ الذي يزدادُ ولا ينّقَطِع.
يبتسمونَ جميعًا يضحكون وتمتلِئُ أعينَهم بدموعِ الفرح بلّ وكأن مع دخولهم لهذا المكان يُمطِرُ الله عليهم من السماء نسمَاتٌ تحمِلُ طمأنينةً وراحة تشرح صدورهم، مرّتني حمامةً طائرة لأتبعهُا بعينايّ فتأملتّ أنّ حتى الطيورَ هُنا مُختلفة تُلاعب من يقتربُ منها فتصافح أيدي الأطفال طائرةً حولهمّ وهم يتضاحكونَ ويتهامسون.

نظرتُ لتلكَ الزاوية الواقفة أمامها امرأة مُسنّة تساقطَ شعرها وانحنى ظهرها لكن لا تزالُ ابتسامَتُها المُختلِطةَ بالدموع جميله جذبتنِي لها، وإذّ بها تتلمّسُ ذاك البيتَ العظيم أطهر وأجمل ما رأتُهُ عيناها بيتَ العزيزِ الكريم -الكعبة المُشرفة- كانت تبكي وتحمدُ الله أن منّ عليها بالقدومِ لهذا المكان لتصبح ضيفةً من ضيوفِ الرحمن.

“ضيوف الرحمن” هنيئًا لكلِ من يخدِمهم طوال هذهِ السنين من كلِ القطاعات نساءً كنتم أم رجال حظيتم بهذه النعمة والأجرِ الكبير، في كلِ سنة أزورُ هذا المكان أفتخرُ أنني أنتمي لنفسِ الأرض التي تنتمونَ إليها، يكفيكم تشريفًا وتعظيمًا “خدمة ضيوف الرحمن”.

استيقظتُ من تأمُلاتي على يدِ امرأة من شرق آسيا تهزُ كتفي تطلبُ مني الابتعاد، لربما هي أيضًا تُريدُ أن تُحيي هذه اللحظة فتتأملّ…

عن قسم المقالات

شاهد أيضاً

رمضاء القهر

شريفة الزبيدي لن أبتعد..     ولن أخاطب القُراء، ولن أطلق اللفظة الجامعة، لن أحتضن كيان …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *