أخبار اليوم
الرئيسية / HOME / مقالات / من محبرة الأيام فاضت حروفي ألقًا ..

من محبرة الأيام فاضت حروفي ألقًا ..

  • سهام الخليفة

 

لا يخفى على الكثير وخاصة من يمتلك القريحة ، والموهبة في بعثرة الحروف والاتكاء على السطر، إن الكتابة عملية معقدة جدًا ، ترتكز على أرضية حساسة؛ هي في حدِّ ذاتها عملية خلْق وتكوين، هي بمثابة ولادة تمر بعدة مراحل من التكوين والإنشاء.
هي كالمخاض العسر، فرغم سهولتها ظاهرًا؛ لابد أن تأخذ وقتها لتتجسّد على الورق وتصل للقارئ تامة سليمة، بلا تشويه يقلل من قيمتها، ويفقدها عمقها، فتكون نهايتها بلا معنى يرجى منها .
إن الشروع بالكتابة عن أي أمر وحين يخوض الكاتب في أي شأن تحتاج بوتقة ليتم الذوبان فيها والاندماج والتجانس المطلوب؛ فهي عملية لا تكون وليدة اللحظة وإن حدث ذلك عرضا أحيانا، فهي تحتاج إلى أسس قوية وثوابت راسخة وإن بجانب المرونة القصوى في التعامل معها لتكون طيّعةً .
إن الكتابة تعتمد على عدة محاور وأسس لتُنشئ الكيان المطلوب، وتبني الهيكل المقبول، وتلّم بحيثياته قدر الإمكان.
هذه المحاور ؛ لا بد من أن تكون مترابطة ومتكاملة ومتوافقة؛ تبدأ بالكاتب نفسه، وتتعلق بشخصيته وطابعه في التعامل مع الحرف والمعنى وتطويعه بإبداع واحترافية ممكنة.
إنّما الكاتب رسول ، وفي جوفه علم وفكر، وبين عينيه تتمازج المعاني فيصوغها حسب مواهبه وقدراته وإتقانه للأداء.
فهو يمتلك موهبة يصقلها ويعتني بها بالتطوير والتحسين ويستغل كل ما حوله من مؤثرات ومعطيات للاستزادة من الإجادة . الكاتب الماهر هو من يستقبل الإلهام
ويحترم بشائر الفكرة فلا يستخف بما يطرأ عليه من تصورات، فيعمد إلى مشاغبتها وتقليبها كطفل صغير يرعاه باهتمام وحنان، فيستعين بالمضامين وينهل من المعارف ويتيح لنفسه وعقله وقلبه أن يغرفوا من ينابيع المعاجم وبحار القواميس برحابة وتأني بليغ .
الكتابة لها شرائط وحيثيات، فهي مادة طيِّعة تتشكل ضمن حدود وقيود وانطلاق نحو العمق بكل مايحيط الكاتب، و يصيغ عطاءه بحبكة رائعة قدر الإمكان.
إن
الكاتب الذي يفهم رسالته،  ويعلم جيدًا ما هو المجال الذي يناسبه لينطلق منه؛ سواءً أدبيًا أو علميًا، يوفر على نفسه الضياع والارتباك، والحيرة والتشتت المؤذي لقدراته والذي يضعف نتاجه.
فليس بالضرورة أن يظهر للمحيط من يجمع كل المهارات، فمن الأدباء ليسوا بعلماء والعكس يحدث
كذلك نرى الكثير من
العلماء ممّن أبحروا في عالم الأدب وصاغوا أعمالًا بديعة.
وحين نتطرق إلى الكتابة نفسها ونتساءل عن ماهية الاستفادة من الكتابة وما المراد منها ،
يأتي الجواب من الكاتب أولا أنها بمثابة عملية تفريغ لشحنات داخلية يريد أن يتقاسمها مع طرف آخر لعلها تخدمه، وتقدم له مخزونًا يضيف له ارتقاء بتذوق ما أنتجه عبر الحرف، إذن نعود للتساؤل هل من الضروري وجود ذاك النسمى بالمتلقي أو القارئ ؟
نعم لابد من هدف للكتابة ولا بد أن تواجه الذوق العام والنقد والنقاش من خلال وجهات نظر تلتقي في نقاط متنوعة إما قبولًا ، أو رفضًا وربما نالها التجاهل واللامبالاة.
هنا يبرز دور القارئ المهم جدًا في تمام العمل وتطوره وتبلور معناه، فالكتابة تموت إن لم تجد أرضًا تحتويها لتزهر، وما القراءة إلا حياة متجددة بالاطلاع .
فالقارئ الجاد يمنح للكتابة امتدادًا، ويمنع عزلة عقول وقلوب يانعة تنتظر قطافًا محترفًا.
ونتساءل عن تراكمات العلوم والمعارف وأصحابها؛ هل يقع عليهم ظلم ما في ناحية ما ؟.
نعم الكثيرون يعانون من ظلم فادح وجور طاغٍ حينما تتلاشى رؤوس الثقافات تحت طائلة الجهل والإسفاف والسخرية، والمجاملات التافهة ؛  وذلك لأسباب عديدة منها التعصب والغرور وغياب الأمانة الأخلاقية واللمسة الاحترازية، فينحرف الهدف، ويتشوه القصد. فتعاني الكتابة من إعاقات فكرية وانحرافات تهدم الحضارات بمسارات لا منطقية يغلب عليها الطابع اللاعقلائي، فينساق الأفراد ومعها المجتمعات إلى عصور ظلام جاهلية تتجدد ظلالها مع الحماقات وإرهاصات سخيفة يكون لها الدور البارز فيكون الإنصاف مستحيلًا ،
إن شرائحَ من رواد الفكر وقادة المعرفة يفقدون قدراتهم وتصاب بالجمود بسبب أن صوتهم لم ينفذ بقوة إلى وجدان أولئك الأميين، ولم تبلغهم نداءات لا تصمت. بالإضافة أن البعض امتطى صهوة المصلحة الذاتية ولم تلجمه عن اغتيال الصدق، فضاع نور القلم وانطفئ قنديل الرقي .
لكن سيبقى ذاك النضال عبر الحرف والقلم ولن يستسلم العقل والقلب معًا، حتمًا سيأتي يومًا ينتصر فيه الحق ويزهق الباطل ، والكلمة تبقى أمانة في رؤوس الفكر والأدب.

عن قسم المقالات

شاهد أيضاً

الدلال الزائد طامس لهوية الطفولة

أ.م/ مروه البدنه رزقنا الله و إياكم بأطفال كعصافير الجنان، قلوبهم بيضاء لا تعرف الحقد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *