الرئيسية / HOME / مقالات / تحكيم نصوص الشرع بين العقل والنقل

تحكيم نصوص الشرع بين العقل والنقل

  • محمد العتيبي

يقول ابن تيمية رحمه الله : [ يجب الفرق بين ما يعلم العقل بطلانه وامتناعه وبين ما يعجز العقل عن تصوره ومعرفته ، فالأول من مُحالات العقول والثاني من محارات العقول والرّسل يُخبرون بالثاني ] ، ‏كلنا يعلم بأن المؤمن مأمور بتكاليف شرعية مستمدة من الوحي ليس له فيها إلا الإقرار والتسليم بناء على إسلامه الذي إرتضاه لنفسه وماتقتضيه الشهادتين بغض النظر عن معرفته وفهمه للنص الشرعي ( النقل ) المنقول لنا من القرآن الكريم أو السنة الثابتة – التي لاتخالف العقل – وكذلك بغض النظر عن الحكمة من فرضه ، ولا مانع بلا شك أن يستخدم المسلم عقله بفهم النص والحكم الشرعي بشرط أن لايلغيه . هل سألت نفسك يوما مالحكمة أن نصلي الفجر ركعتين والظهر أربعا والمغرب ثلاثا … ؟ ولماذا في حال المسح على الخفين نمسح أعلاهما والعقل والمنطق يقول أسفلهما أحق بالطهارة ؟! في شرع الله عزوجل ‏ليس هناك تعارض بين النقل والعقل ( والنقل الصحيح لايعارض العقل الصريح كمايقول ابن تيمية رحمه الله ) ومن لايفهم النصوص حين تشكل عليه من الخطأ أن يشكك فيها فالله عزوجل ذكر مشتقات العقل في القرآن الكريم في كثير من المواضع حيث خاطب أهل العقول ليثبت دور العقل وكفاءته في التفكير وفي نفس الوقت فهناك أوامر وغيبيات تثبت قصور العقل ، فحين ينقل إلينا آية من القرآن أو حديثا صحيحا لاسبيل للعقل إليهما بسبب عجزه وقصوره – كالمعجزات النبوية أو الآخبار الغيبية عن النار والجنة وغيرهم – فهذه من محارات العقول التي لاتخالف العقل ولكنها تحيره وتعجزه ، فالمؤمن حينها يقبلها ويقرها والمكذب الجاهل يرفضها ويردها ، ‏البعض ممن تأثروا بالفلسفة الغربية المادية جعلوا العقل موازيا للنص في التحكيم والتشريع محاولين عقلنة الدين بكل بساطة حتى وصل الأمر ببعضهم إلى التعدي على بعض أحكامه وتجميدها ( هذا لايصح / لايجوز / غير مناسب لهذا العصر .. الخ ) وكأن الخالق – سبحانه وتعالى – غابت عنه الحكمة والحلول ؟! وربما استشهد بعضهم بمقولة مطلقة لعباس العقاد في كتابه ” التفكير فريضة إسلامية ” حيث يقول : [ ومن قال أن العمل بالنص يعني العمل بغير فهم فليس هو من الإسلام في شيء ] !! الحقيقة ليس شرطا أن كل مانقل لنا من القرآن والسنة من نصوص وأحكام شرعية يجب أن نحفظها أو نفهمها فهما عميقا ودقيقا لكي نعمل بها ولنكون من الإسلام في شيء ولكننا مأمورون بالإتباع والتعبد كما ذكرت في مطلع المقال .
الشرع لم يأمرنا للرجوع للعقل في كل شيء في تقبلنا للنصوص ولكن إعماله يكون في عدة مواضع وأحوال قررها علماء الشريعة الراسخون كمخاطبة غير المسلمين من أهل الأديان بالمشتركات التي بيننا وبينهم أو العقلانيين من خلال الأدلة العقلية ، وفي حال العلل المناطة وهو الموضع الذي يتنزل عليه الحكم الشرعي أو العلة المؤثرة فيه وكذلك حال الإستدلال في طلب الدليل على الحكم أو الحكم على الدليل هل هو صحيح أو غير صحيح ، ‏مناقشة الحكم الشرعي هو تشكيك في المشرع – سبحانه وتعالى – وما يحدث من هؤلاء المتأثرين بالعقلية المادية هو مناقشة للأحكام والعقل الذي يقصدونه لا يتجاوز الهوى ورغبات النفس دون تجرد في النظر إلى الدليل فهم يعلقون الإستدلال بإعتقاداتهم ومايؤمنون به ولذلك لايمكن للعقل البشري القاصر أن يوازي النص المنقول في التحكيم والتشريع .. والله أعلى وأعلم .

عن قسم المقالات

شاهد أيضاً

خدمة المجتمع بين الواقع والاعلام

عبدالله العمري خدمة المجتمع: هي الخدمات التي يقوم بها أشخاص أو مؤسسات، من أجل صالح …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *