الرئيسية / HOME / مقالات / لو زارنا الاهتمام!

لو زارنا الاهتمام!

  • اميره موسى

حدثَ لي موقفًا في مرة من المرات فأدهشتني شدة الاهتمامِ فيه من ذاك الشخص و كلّ ما حدث أنني كنت أدرس في المرحلة الثانوية و كانت عادتي أن يكون في يدي قلماً أو في جيبي في كل الأحوال، و كنت قد اشتركت في أحد البرامج المُعدّة هناك وحين كان دوري في البرنامج لأخرج أخذت إحدى المعلمات من يدي القلم ووضعته في جيبي الأمامي بشكلٍ مرتب وقالت
: “حتى يستبين أن الأديب لا يملك إلا قلبه و قلمه ” ثم مضت و انتهى الموقف.
يا لشدة اهتمامها بالتفاصيل الصغيرة! ولا يهم في ماذا اهتمّت بالضبط ولكن مقدارَ ذاك الاهتمام !
أتخيل الآن لو أن كلّ الأحياء قاموا بإخراج كل ذرة اهتمام في قلوبهم كيف للحياة أن تكون ؟
لو أننا نُنصت للغريب حتى يُفرّغ ما بقلبه و نقول له من تجاربنا ما يُشابه الحال الذي هو عليه بدلاً من أن نقول له ” كن قوياً ” وهو في قمة ضعفه فهو في حالٍ يحتاج أن يشعر أن ما بهِ قد حدث لمن هم أقوى منه !
لو أن كلّ طالب علم يسأل نفسه هل ما أعملهُ سيكون جواباً مهذبًّا حين نكون أنا و الله يوم القيامة لوحدنا ويسألك في ماذا أفنيتَ شبابك وترد لقد تعلمت العلم الذي وفقتني له ؟ ولو أنك تهتم لتصل إلى درجة أن تستذكر ذاك الوقوف في ذلك اليوم عندما تعمل صغائر أعمالك قبل كبيرها !
لو أن كلَّ معلمٍ ينصت لقلب تلميذه قبل عقله فالعظمة, والأمنيات و الخيال و الأفكار يولدها القلب ويحتويها القلب وتكبر في القلب ثم يبعثها إلى العقل الذي يُطالب به المعلم أن يحفظ المعلومات فقط ” إلا من رحم ربي ” .
لو أن كل أبٍ يجلس مع أبناءهِ ولو بشكلٍ أسبوعي ويبتدئ الحوار معهم بكيف كان أسبوعكم و ينتهي ب أتمنى المزيد في الأسبوع القادم حتى يقال كان هناكَ آباء و يقال أيضًا لقد اتبعوا الأبناء آباؤهم فوصلوا!
لو أن كلّ أم تظهر أخطاء أبناءها و تصححها بكلماتٍ سحرية هي أقدر عليها من أن يُشبّع عقله بمقولة الفشل وقود النجاح, فيحسب حساب الفشل أنه اللبنة الأولى من نجاحه بدلًا من أن يتعلم منه ويتفاداه ثم يعتاد على كل فشلٍ يقع فيه فلا يحرّك فيه شيئًا!
لو أن كل صاحبَ مالٍ يشتري من بائع الماء على الطرقات لا لأنه ظمآن ومن بائع الورد لا لنقصٍ في سعادته و مشاعره ومن بائع الخضرة لا لحاجةٍ لثلاجة المنزل إنما اهتمام منه يولّد إنسانية لا منتهية فتثبت الإنسانية فينا و يَغنى الفقراء منّا !
لو أن كل صاحِب وقتٍ وفير يجعل له زيارات شهرية حتى لا تثقِل جدوله المزعوم بازدحام المشاغل و يذهب إلى أحد المستشفيات ويزور المرضى و يقدم الكلام المغلّف بالمواساة و الإشارة إلى أن الحياة ما زالت بخير أو حتى بالإنصات الغير مكلّف فبينَ تلكَ الممّرات الكثير من المآسي المختبئة و الأمنيات المدفونة و الأصوات التي تسبب المرض بِبحّتِها !
لو أن كل صاحبَ كلّ اهتمام اظهر هذا الاهتمام, و هل تعيشَ و تصمد الحياة بلا اهتمام !
لم لا نهتم بعظمة قول استودعتك الله في نهاية كل حديث أو لقاء، فنحن نملك أشياء ثمينة المعنى وعزيزة الوجود والله لا تضيع عندهُ الودائع ثم إن لهذهِ الكلمات مع الحماية الربّانية و قعٌ هائل من الراحة و الطمأنينة في نفس المرء !
لمَ لا ننتبه أن عناق الباكِين يولّد الراحة حتى وإن كنا نجهل القصة ! لمَ لا نلقي بالاً كاملاً لقصص الآباء القديمة و تجارب الأمهات الصادقة!
لمَ نغفل عن القول للطفل أن أمنيته ستحقق ذات يوم و نستقطع جزءًا من أوقاتنا للكبير لكي ننعش روحه فالمللّ لم يمُت بعد في هذه الحياة !
يجهل الكثير منا أن الاهتمام ليسَ جزءًا من الحياة بل هو كل الحياة، و لقلتهِ في هذا العصر أصبحَ الغريب أنقى من الصديق القريب والمسافر محلّ اهتمام أكثر من الحاضِر بيننا مع أن معية الله ترعاهم جميعاً، و أصبح الميت ذكرى مقطوعة عنها الحياة بشكلٍ قاسٍ و نعيش بغير إدراك و كأن الدعاء لا يصل إليه و كان الصدقة لا تنير قبره !

وأصبح الصمت يأخذ الدرجة الأولى فالمنصتين قلّة والمتحدثين بلاشيء كُثر ثم يليه الكلام حتى و إن كان صدقًا، و لذلك أصبحت العزلة مقدّمة على الاختلاط بالأهل و الأصحاب, وأصبحت العزلة هي و الوحدة على صعيدٍ واحد و كل من ينأى عمّا لا يريده أصبح وحيداً يجهل كيفية العيش!
الاهتمام ليس جزءًا من الكل بل الكل هو جزءٌ منه, و ليس شيئاً ينتظر الغيث بل هو ريٌ يُروى به، نحتاج أن نهتم، نحتاج أن يكون الاهتمام هو المحتوى و في مُجريات أيامنا ومواقفنا و ليس الإطار، نحتاج أن يكون الاهتمام مصدر سكَنات و أفعال مقصودة و ليس مواعيد فراغ لمن يريد في الوقت الذي يريد !
وأكتب هذا لأنني أهتمّ .

عن قسم المقالات

شاهد أيضاً

استبشر

مي محمد العلولا استبشر دائمًا بالخير، أمسِك بيد نفسك، تقبلها كما هي، احبها قبل اي …

تعليق واحد

  1. عبير محمد

    عظيمه يا أميره عظيمه☹️💛

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *