الرئيسية / HOME / مقالات / إقتصاد العربة ثورة أم فقاعة؟

إقتصاد العربة ثورة أم فقاعة؟

  • نورة أحمد الداود

بدأ كفاح الإنسان في هذه الأرض منذ خلقه الله عليها واستخلفه فيها، فكافح من أجل البقاء وإعمار الأرض مستعيناً بما وهبه له الخالق من موارد ومقومات، فقد عمل على تطوير أساليب الإنتاج والتبادل لتحسين وضعه المعيشي والاقتصادي، وتأمين حاجاته الأساسية من الغذاء، والكساء، والمسكن، والأمان. وتطور الإنسان بمرور الزمن وتعاقب الأجيال، واخترع النقود، وأحدث ثورة هائلة في عالم الاتصالات والمعلومات.

ولقد صاحب هذا التطور ظهور كثير من المفاهيم الاقتصادية، وتولُّد العديد من الأفكار والآراء للفلاسفة والكُتَّاب، إضافةً إلى التشريعات والقواعد والأحكام التي جاءت بها الأديان السماوية.

ونتيجةً لهذا التوسُّع العالمي والعولمة والاقتصاد الحر، بالإضافة إلى تكرر الأزمات الاقتصادية والمالية، من وقت إلى آخر ارتفع عدد العاطلين عن العمل، فنشأ مفهوم اقتصادي جديد عُرِف بمسمى (اقتصاد العربة) أو( Gigeconomy )

فما هو اقتصاد العربة؟ وإلى أين سيقودنا؟

بالعودة إلى ما قبل الثورة الإلكترونية نلاحظ أن البائع المتجول على عربة يقوم ببيع منتجاته، أو تقديم خدماته من خلال تلك العربة، فهو ليس موظفاً بدوام كامل وبالتالي لا يلتزم بمحددات الوظيفة، والمستفيد من هذا البائع غير ملزم بتوظيفه، إذ تنتهي العلاقة بينهما بانتهاء شراء المنتج قيد عملية التبادل.

وقد كان أصحاب العربات يعتمدون أحياناً على الموسيقى لترويج منتجاتهم والتي قد تكون مزعجة، ومن هنا تمت استعارة كلمة (عربة) أو (Gig) أو (إزعاج) كترجمة حرفية من صناعة الموسيقى.

ويُعرف اقتصاد العربة بأنه لجوء المنظمات إلى التعاقد المؤقت مع موظفين مستقلين بعقود قصيرة الأجل، لإنجاز مهام محددة، فهو عمل حر يقدم ويبيع منتجاته بحسب الطلب دون أن تحده قيود الوظائف المعتادة. ومن الأمثلة الـشائعة على ممارسات اقتصاد العربة: تطبيقات توجيه المركبات مثل: كريم وأوبر.  ومنصات الأعمال الحرة، بالإضافة إلى منصات تأجير المساكن الخاصة.

وتختلف كيفية العمل حسب الخدمة المقدمة، فعلى سبيل المثال، في مجال النقل حسب الطلب يقوم الراكب بعمل طلب للتوصيل ويتم توجيه الطلب للسائقين القريبين ومن ثم قبول الطلب وإتمام الخدمة. ولا تختلف الفكرة كثيراً في مجال الأعمال الحرة: كالكتابة والاستشارات، والتصميم وغيرها… 

إذ يقوم صاحب العمل بطرح مشروعه للجمهور على شكل مناقصة، ومن ثم يتقدم العاملون بعروضهم مع عرض السعر ونماذج سابقة لأعمالهم، وبناءً عليه يختار صاحب المشروع الشخص المناسب لأداء المهمة.

ونلاحظ مؤخراً انتشار مفهوم اقتصاد العربة وذلك بكثرة الاتجاه إلى العقود قصيرة الأجل، ويرجع ذلك إلى طبيعة العصر الرقمي الذي يسمح بالعمل من أي مكان، مما يعني أن بإستطاعة الموظفين المستقلين اختيار وظيفة مؤقتة من جميع أنحاء العالم، في حين يمكن لأصحاب العمل اختيار أفضل الأفراد لمشاريع محددة من بين مجموعة كبيرة من الموظفين.

 كما أسهم العصر الرقمي أيضاً في زيادة الاعتماد على التكنولوجيا باعتبارها أسهل وأكثر دقة، مما أدى إلى زيادة عدد الوظائف المتاحة ولجوء الموظفين إلى شغل عدة وظائف خلال حياتهم وعدم الاعتماد على وظيفة واحدة.

ومما يميز اقتصاد العربة مساهمته في توفير العديد من فرص العمل في ظل انتشار البطالة، إذ يتميز هذا النوع من الاقتصاد بكونه غير محـدود بمكان معين، بل يستطيع الشخص أن يعمل من منزله ويقدم خدماته للآخرين في أي بلد عبر الإنترنت، كما لا يلتزم الفرد بأوقات عمل محددة مما يخلق توازناً بين الحياة الاجتماعية، والحياة المهنية، حيث يتمكن الفرد من تخصيص الوقت الذي يريده للعمل بنفسه وبالتالي لا يوجد ارتباط للفرد بمنشأة معينة، بل هو من يدير نفسه ويختار الأعمال التي تناسب مهاراته وقدراته ويحدد الوقت والمكان المناسبين له.

ولكن من زاوية أخرى نلاحظ أن العمل بالآلية السابقة على الرغم من مستوى الاستقلالية العالي الذي يتمتع به الفرد إلا أنه يفتقر إلى بيئة العمل التي يتمكن الفرد من خلالها أن يتعلم ويكتسب الخبرات، وبالنظر إلى كون هذا النوع من الاقتصاد يصنف العمال كموظفين مستقلين فهذا يعني أنهم لا يتمتعون بالحماية من الفصل التعسفي، كما لا يحق لهم تقاضي الحد الأدنى للأجر أو الإجازة مدفوعة الأجر أو حتى الإجازة المرضية.

 ويُرجِع البعض تميُّز اقتصاد العربة إلى تعدد مصادر الدخل، فتعدد الخيارات أمام الفرد للعمل لأكثر من جهة يساهم في تنويع مصادر دخله، مع الأخذ بعين الاعتبار أن هذا الدخل ليس دخلاً ثابتاً يمكن على أساسه التخطيط للمستقبل. 

ورغم ذلك فإن إقبال الشركات على التعاقد مع موظفين مستقلين بنظام الدوام الجزئي، يتزايد يوماً بعد يوم، مما يُسهم في تغيير التدفق الاقتصادي في جميع أنحاء العالم، ويخلق تدريجياً اقتصاداً موازياً.

وأخيراً وليس آخراً فإن التوجه الكبير لاقتصاد العربـةيهدد الاستقرار المالي العالمي، وقد يكون ذلك أحد الأسباب الرئيسة التي دفعت بالمنظمات الدولية مثل: البنك الدولي، ومنظمة العمل الدولية، والأمم المتحدة، وصندوق النقد الدولي، والعديد من الحكومات إلى بذل مزيد من الجهود لمعالجة أزمة البطالة.

عن قسم المقالات

شاهد أيضاً

استبشر

مي محمد العلولا استبشر دائمًا بالخير، أمسِك بيد نفسك، تقبلها كما هي، احبها قبل اي …

2 تعليقان

  1. مقال رائع
    سلمت يداكِ
    اتمنى لكِ التوفيق

  2. كراميل بخاري

    مقال رائع ويستشرف مستقبل مزدهر بالاعمال الصغيره المستقلة .
    ولابد من سن تشريعات تحمي اصحاب العربه من سطوة الشركات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *