الرئيسية / HOME / مقالات / أين تجد السعادة

أين تجد السعادة

  • محمد شجاع العماج

سؤال، هل يجلب المال السعادة وراحة البال ؟ وأيضا من الأسعد والأكثر راحة الغني ام الفقير؟.

وبسبب الظروف الصعبة التي يمر بها العالم عموما ، رجحت حالة “الطفر” كفة المال في نظر البعض ، إلا أنها لم تغير في نظرة آخرين إلى أن المال وسيلة لكنه ليس مفتاح راحة البال.. في الغالب. قد يعتقد البعض أن الأغنياء أشخاص لا يعرفون الحزن أو الاكتئاب بل على العكس يرونهم يشعون سعادة وراحة ، الا ان هذا وهم ، فالمال لا يشتري السعادة وأنا عن نفسي اعرف أشخاصا لديهم المال الذي به لم يستطيعوا أن يحققوا سعادة الحصول على طفل.

كأني أرى الشاعر قول:
وَلَستُ أَرى السَعادَةَ جَمعَ مالٍ
وَلَكِنَّ التَقيَّ هُوَ السَعيدُ
وَتَقوى اللَهِ خَيرُ الزادِ ذُخراً
وَعِندَ اللَهِ لِلأَتقى مَزيدُ
وَما لا بُدَّ أَن يَأَتي قَريبٌ
وَلَكِنَّ الَّذي يَمضي بَعيدُ

الناس بحثوا عن الراحة والسعادة في الجاه ما حصلوها في المزارع والاستراحات وفي البنيات العمائر والقصور.

يذكر أن زوجاً قال لزوجته بغضب: لأشقينَّك . فقالت الزوجة في هدوء وإيمان وعزة : لا تستطيع أن تشقيني كما لا تستطيع أن تسعدني. فقال الزوج في حنق : وكيف لا أستطيع ؟ فقالت الزوجة في ثقة : لو كانت السعادة في راتب لقطعته عني أو زينة من الحلي لحرمتني منها ، ولكنها في شيء لا تملكه أنت ولا الناس أجمعون !فقال الزوج في دهشة: وما هو ؟ فقالت الزوجة في يقين : إني أجد سعادتي في إيماني ، وإيماني في قلبي ، وقلبي لا سلطان لأحد عليه غير ربي .

ويحكى أن أحد الأثرياء كان لديه خادم يحرس القصر الذي يسكن فيه ذلك الثري، فكان هذا الثري في قصره الكبير لا يحس بطعم الراحة فهو مريض يتناول الأدوية قبل الأكل وفي وسطه وفي آخره، بل يظل طوال الليل يتقلب من الألم ولا يستطيع النوم، وذاك الخادم الفقير يسكن بجوار باب القصر في غرفة صغيرة هو وزوجته وأولاده، فيظلون إلى منتصف الليل يضحكون ويصفقون ويغنون , فقال الثري في نفسه هؤلاء لا يملكون إلا قوت يومهم ويعيشون في هذه السعادة فما بالهم لو كان معهم بعض المال؛ فذهب إليهم ذات يوم وقال لهذا الحارس سأعطيك كل يوم خمسون درهم تشترى بها بيضاً وتجلس تبيعه أمام القصر ونتقاسم المكسب , وفي الليلة الأولى سمعهم يضحون ويغنون ولكن إلى ما بعد العشاء بساعة وليس إلى منتصف الليل , وفي الليلة الثانية سكتت أصواتهم بعد العشاء مباشرة , وفي الليلة الثالثة سمع أصوات الشجار والصراخ , ثم دخل عليه ذلك الحارس المسكين ومعه ما تبقى من البيض وما كسب من مال , وقال له يا سيدي هذا بيضك ومالك, ودعنا نعود إلى حالنا السابق من الضحك والغناء , فلقد أفسد علينا المال سعادتنا

الراحة والسعادة في الدين:
يلي تبي راحه الدين راحتك
مهيب دنيا شغلتك بطمعها

الإقبال على الطاعة والعبادة وترك الذنوب والمعاصي:
القلب السليم دائماً يحن ويشتاق إلى الطاعة أكثر من حنين الجائع إلى الطعام والشراب، ومن المعلوم أن من أحبَّ الله أحبَّ خدمته، وصارت العبادة والطاعة قوت قلبه، وغذاء نفسه، وسر سعادته، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يُصلِّي حتى تتورَّم قدماه، وهو الذي غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر.

فالتقرب إلى الله تعالى بالطاعة والعبادة سبب لحب الله للعبد , وإذا أحب الله العبد هيأ له أسباب السعادة والإنس به , قال تعالى : وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ .. (165) سورة البقرة , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:إِنَّ اللَّهَ قَالَ مَنْ عَادَى لي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَىَّ عَبْدِى بشيء أَحَبَّ إِلَىَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِى يَتَقَرَّبُ إِلَىَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِى يَسْمَعُ بِهِ ، وَبَصَرَهُ الَّذِى يُبْصِرُ بِهِ ، وَيَدَهُ الَّتِى يَبْطُشُ بِهَا وَرِجْلَهُ التي يَمْشِى بِهَا ، وَإِنْ سَأَلَنِى لأُعْطِيَنَّهُ ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِى لأُعِيذَنَّهُ ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَىْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِى عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ ، يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ. أخرجه البخاري

والطاعة لله تعالى وحسن القرب منه , ليست كلمات تقال على الشفاه , بل هي عمل وسلوك يظهر في الكون والحياة . قال ابن المبارك:
تعصى الإله وأنت تزعم حبه * * * هذا لعمري في القياس بديع
ولو كان حبك صادقاً لأطعته * * * إن المحبَّ لمن يحب مطيع

قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ في كتابه : الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي( 136 ) : \”قال بعض العلماء: فكرت فيما يسعى فيه العقلاء، فرأيت سعيهم كله في مطلوب واحد، وإن اختلفت طرقهم في تحصيله، رأيتهم جميعهم إنما يسعون في دفع الهم والغم عن نفوسهم، فهذا بالأكل الشراب، وهذا بالتجارة والكسب، وهذا بالنكاح، وهذا بسماع الغناء والأصوات المطربة, وهذا باللهو واللعب.

فقلت: هذا المطلوب مطلوب العقلاء، ولكن الطرق كلها غير موصلة إليه، بل لعل أكثرها إنما يوصل إلى ضده، ولم أرَ في جميع هذه الطرق طريقاً موصلة إليه إلا الإقبال على الله، ومعاملته وحده، وإيثار مرضاته على كل شيء، فإن سالك هذه الطريق إن فاته حظه من الدنيا، فقد ظفر بالحظ الغالي الذي لا فوت بحظه من الدنيا ناله على أهنأ الوجوه، فليس للعبد أنفع من هذه الطريق ولا أوصل منها إلى لذته وبهجته وسعادته.

قال تعالى: فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى.وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى.قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا.قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى. سورة طه

إذنْ السعادةُ ليستْ في الزمانِ ولا في المكانِ ، ولكنَّها في الإيمانِ ، وفي طاعةِ الدَيَّانِ ، وفي القلبِ . والقلبُ محلُّ نظرِ الرَّبَّ ، فإذا استقرَّ اليقينُ فيه ، انبعثتِ السعادةُ ، فأضفتْ على الروح وعلى النفس انشراحا وارتياحاً ، ثمَّ فاضتْ على الآخرين ، فصارتْ على الظِّرابِ وبطونِ الأودية ومنابتِ الشجرِ .

رزقنا الله وإياكم السعادة في الدنيا والآخرة، وجعلنا ممن يقول فيعمل، ويعمل فيخلص، ويخلص فيقبل، ويقبل فيفوز فوزاً عظيما.

عن قسم المقالات

شاهد أيضاً

الكوادر المهدرة

سلمان الشهري   كم نقرأ ونسمع ونشاهد من الحملات التثقيفية والتوعوية المتعلقة بترشيد وتوفير الطاقة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *