الرئيسية / HOME / مقالات / هل نحن رحماء؟

هل نحن رحماء؟

  • ليلى محمد العمودي

الرحمة ليست أن تشعر بنفسك حين يمارس عليك الظلم، ولا حين تتوسع دائرة رحمتك، لتشمل أفراد عائلتك المقربة جدًا، وليست أن ترحم بعد أن تشعر.
للرحمة معنى سامٍ لا يصل إليه الجميع، وربما سموه في عدم الوصول إليه.
الرحمة أن تشعر بغيرك، وكأن ما حلَّ بهم قد حل بك، أو سيحل، أن تحزن عندما يحزنون، أن تخذل عندما يخذلون، أن تشعر بما يشعرون من ذل، ووحدة أليمة مهينة.
أن تشعر بألم جروحهم التي لا دواء لها، ليس لأنه لم يخترع الأطباء دواءً بعد بل لأن العالم نسيهم والأطباء نسوهم ولم يوصلوا لهم ماخترعوه، أن تبكي عندما يبكون، أن تشعر بأنفاسهم من على بعد الأوطان، أن تنام وهم في قلبك قبل عقلك، أن تدعو لهم دائمًا وكأنهم عائلتك، أن لا تقصر الدعاء على النصر بل على الانتقام.
الرحمة أن تعرف أن هناك أشرارًا كثر في هذا العالم، أن تعرفهم بأسمائهم. الرحمة أن تنظر إلى طفلك وتعرف أن هناك طفلًا آخر في عالم موازي لا نعرف عنه إلا أقل القليل، قد قتل أو جرح، أو فقد أحد أعضائه، أو رأى الكثير من الدم وسمع الكثير من الصراخ والكثير من القصف وآلات الحرب.
أن تعرف أن هناك طفلًا نسي الكلام من هول الصدمات، أن تعرف أن هناك أطفالًا ولدوا في الحرب، ولم يعرفوا غير حياة الحرب وجوع الحرب، أن تعرف أن هناك أطفالًا يبكون كثيرًا لأنهم خائفون من كل شيء حولهم، وأن هناك أطفالًا فقدوا كل شيء، بالمعنى الحرفي لكل شيء.
ربما أنت تعرف كل ذلك وسمعته مرارًا وتكرارًا حتى سئمت وعدت لا تصدق مايحدث، بل أنك تستنكر هذه الحوادث وكأنك تستنكر وجود أشرارٍ يقومون بهذه الأفعال! يا للعجب! لماذا تستنكر؟! ألم تكفيك كل هذه الفواجع حتى تقر وتصدق وتؤمن؟ معرفتك هذه ليست رحمة، الرحمة أن تعرف وأن تقرن هذه المعرفة بالشعور، الرحمة أن تتذكر كل هذا وأنت تنظر لطفلك أو تلمسه، الرحمة أن لا تنسى..

الرحمة ليست كلمة وصفة نغني بها ولأجلها حتى نستدعيها. ليست كذلك على الإطلاق، الرحمة تولد عند ولادتك وتوضع في روحك منذ البدء، أنت تولد ومعك هذا الشعورالخارق والنادر، والموجع أحياناً، ربما هذه هي الرحمة.

عن قسم المقالات

شاهد أيضاً

استراتيجية المشروعات ومهارات القرن الواحد والعشرون

بندر المطلق     تحرص المدرسة المعاصرة على تقديم التعليم والتعلَم وفق نظريات تفسر التعلم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *