الرئيسية / HOME / مقالات / ‏المعاق القوي خير من المعاق الضعيف

‏المعاق القوي خير من المعاق الضعيف

  • عبدالقادر الكاف

 

بداية وقبل ان نخوض في الحديث فإني أعترض بشدة على نفسي بوصف المعاق ولكنني أذكرها هنا مجازا لا حقيقة حيث أنه لا يوجد شخص معاق ولكن يوجد شخص يحمل اعاقة فكون الشخص يحمل عرضا أو مرضا بعينه لا يعني بالضرورة اسقاط هذه الصفة على كامل شخصيته لأننا جميعا خلقنا من الكمال وجميعنا يحمل إعجازا مختلفا وهبه الله له لأن معادلة العدل الالهي تقتضي ان الكل يساوي 1 ، فالذي يحمل أي نوع من أنواع الإعاقة فإنه قد حدث له نقص في جانب لكنه تم اكماله في جانب آخر فسبحان الخالق البديع الذي أحسن كل شيء خلقه .
‏اليوم العالمي للاعاقة وهذا الحدث الذي يتكرر في كل سنة فتسارع الكثير من الجهات المختصة وغير المختصة بشؤون ذوي الاعاقة لتنظيم الفعاليات وتعزيز معنى توعية المجتمع بقدراتهم وعن الطرق المناسبة للتعامل معهم ، ثم عن سرد بعض قصص النجاح لبعض المبدعين بهدف تحفيزهم أولا ولإلهام المتلقي وربما لإبهاره وتعريفه بإمكانياتهم العظيمة ، ثم تأتي فئة أخرى من الأشخاص لتعطي طرحا قد يكون اقوى من الذي سبقه فيستذكر فيه مشاكل الاشخاص ذوي الاعاقة وما يعانونه من تحديات في حياتهم وأن مثل هذا اليوم يجب أن تناقش فيه قضاياهم وان لا يتم الاكتفاء بهذه الشكليات والبهرجة الإعلامية كما يحلو لهم وصفها ، ثم يمضي هذا اليوم ولا أثر يذكر !
‏يمضي ولم يلتفت أحد إلى هذا الشخص المعني بهذا اليوم ، فتوعية المجتمع مهم ولكن رفع وعي المعاق بذاته أهم وإظهار المبدعين مهم ولكن تمكين المنسيين أهم وإثبات قدراتهم مهم ولكن تعزيز ثقتهم بأنسهم أهم لأنه لا معنى ولا قيمة لظاهر يبدو قويا وعمقا في الظلام مهزوزا ومتهالك
‏كثير من الطرح التوعوي والتثقيفي للمجتمع سيكون مؤثر ويعمل بشكل أقوى لو أنه على مسار وخط واحد مع تعزيز القوة الداخلية للشخص المعاق ، حيث أن ثمة عمل مركز على بناء ثقة الشخص بنفسه ورفع مستوى وعيه بخيارات الاخرين واختلاف ثقافاتهم وتمكينه لبناء رسالته وأهدافه في الحياة بناء على القيم الخاصة به ومساعدته للوصول الى الرضى التام عن اعاقته والتصالح معها وأن يعمل في حياته لتحقيق هذه الرسالة بعيدا عن الدخول في صراعات وتحديات لاثبات للمجتمع أنه كفؤ ويستطيع مجاوزة العقبات التي تواجهه أعمق لبناء انسان ميعيش حياته لتحقيق غاية وجوده في هذه الأرض ويحمل في قلبه سلامه الداخلي وتركيزه على ذاته بعيدا عن التأثر او محاولة التأثير بالاخرين .
‏وأعني هنا ان التركيز على قضية توعية المجتمع وعن السبل والطرق المناسبة للتعامل مع الشخص المعاق أمر خارجي يصعب السيطرة عليه لأن القلوب جبلت على الرحمة ومن الطبيعي أن يكون هناك نوع من الشفقة او التعاطف مع الشخص الذي فقد نعمة او حاسة معينة وإن كان هذا الشعور سلبي لكننا لا نستطيع التحكم بمشاعر الاخرين المنية اساسا على مدى مستوى وعيهم وطريقة تفكيرهم ولذلك مثل هذه الرسائل التوعوية التي تنشر في مثل هذه المناسبات لن تستطيع تغيير فكر عميق ومتأصل في برمجة الشخص ونادرا ما يستطيع اسقاطها على واقع حياته ، أضف إلى ذلك أن  هذا التركيز يجعل الشخص المعاق يحول تركيزه من الداخل الى الخارج فيتأثر إن وجد شخص لا يتعامل معه بالطريقة المناسبة او حاول التقليل من شأنه أو حتى اشعره بنوع من الشفقة مما يفقده ازانه الداخلي ويسعى جاهدا الى إثبات عكس هذا الأمر ، مما ينتج عنه أشخاص اقوياء في الخارج وربما ليسو كذلك في الداخل ويسهم كذلك أيضا برمي المسؤولية دائما على الخارج ،ففشله عن العمل بسبب المجتمع وفشله عن التطور المعرفي بسبب المجتمع وهذا ما لا نريده ، وإنما نريد أشخاصا يتحملون مسؤولية حياتهم ويواجهون جميع التحديات التي تواجهم بإيمانهم وثقتهم بالله أولا وإيمانهم بأنفسهم وتقدريهم للمتلكات التي يمتلكونها .
‏وعليه فإني أدعو وبشدة الجهات والجمعيات الخاصة بذوي الاعاقة إلى النظر جديا في أهمية البحث عن طرق تمكين المعاق ذاتيا وبناؤه بناء صحيحا من الداخل ومساعدته على تحديد قيمه الشخصية ومن ثم تحديد أهدافه الخاصة به والتخطيط لإنجازها ودعم رفع ثقته بنفسه والتصالح مع اعاقته ومع التحديات الخارجية التي يواجهها مع المجتمع من خلال أشخاص يقدمون التمكين والدعم بشكل احترافي ومتابعتهم في تحقيق رسالتهم في الحياة وإخراج أفضل ما يملكونه من قدرات وإمكانيات لكي يعود ذلك بالنفع عليه وعلى مجتمعه ووطنه  ويمكن أن  يكون ذلك عن  طريق الكوتشنج أو ما يعرف بالتمكين الشخصي الذي يقوم على دعم الشخص ومساعدته باذن الله على عيش الحياة التي يستحقها ، وهذا هو الاستثمار الحقيقي الذي يبحث عنه المعاق بعيدا عن التنظير والاحتفالات وكلمات التحفيز البسيطة التي تقال له في مثل هذا اليوم  .

عن قسم المقالات

شاهد أيضاً

أبونا آدم والخطيئة

فاطمة الهلالي   قال الله عز وجل في كتابه العزيز: (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ).  …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *