الرئيسية / مقالات / نظرة عن قرب

نظرة عن قرب

  • عبدالله بن عبدالمحسن الأحمد

 

بالعودة إلى ماهية الصحوة، يمكننا أن نختصر الأمر في انه “إحياء وصايا الدين” من خلال اعتماد الثقافة الإسلامية في مختلف أمور الحياة من الملبس والمصطلحات والفصل بين الجنسين والالتزام بمنظور الدين فيما يخص القيم والأخلاق.
وبالنظر إلى تيار الصحوة الذي نشأ في فترة سابقة، وكان يدعو لنفسه على انه تيار وسطي يرفض التطرف، وما يُروج عنه بالتأثير على الشباب بتلك الفترة في العيش بشكل متدين أو مُلتزم -كما كان يصنفهم-، والترويج لاختفاء هذا الشكل من الحياة الدينية الوسطية من المجتمع بعد أن انتهى هذا التيار الفكري بعد حملات الإيقاف والسجن لأعضائه بعد المواجهات التي قاموا بها ضد النظام خاصةً في فترة حرب الخليج الثانية، نجد أن الأمر كان متشكلاً بالكامل في المصالح السياسية لبعض الأشخاص داخل التيار نفسه والذين عادوا ليهاجموا الفكر الذين كانوا يتبنوه ليؤكدوا على أنه كان فكراً متطرفاً بعيداً عن الوسطية.
فمن خلال ما يتم وصفه بـ “المراجعة الفكرية” التي حدثت بعد ما يفوق العشر سنوات من مواجهة السُلطات لتيار الصحوة تبين أن عدداً كبيراً من الأشخاص كانوا ولا زالوا يُتاجرون بمصالحهم الحزبية على حساب ما يسمى بالأغلبية الصامتة من المجتمع والذي لا يميل إلى أن يكون مع أيً من هذه الأحزاب.
حيث من بين 19 حزباً متواجدً في الوقت الحالي من بينهم ثمانية أحزاب إسلامية، يتجنب الغالبية العظمي من المواطنين العاديين فكرة الانتماء لواحدٍ منهم، فبجانب رفض الإسلام لفكرة الأحزاب وتحريمها، لا يرى معظم المجتمع السعودي أن الأمر يستحق إتباع أهواء الأحزاب التي تتغير مع مصالحهم الشخصية بعيداً عن المنظور الوسطي للدين. ففي آن يقولون إن المجتمع متمسك بالوسطية الدينية وآن أخر يقولون إن المجتمع بات يتحرر من التشدد الذي كان عليه فكر الصحوة.
ومؤخراً وبعد انتهاء عهد التيار واتجاه الغالبية لمقاطعة الأحزاب بات البعض يردد بطريقة غير مباشرة أن السعوديين كانوا يعيشون في صحوة إسلامية وهم الآن يعيشون في حالة من التحرر التي تُبعدهم عن الدين. ولكن ما مدى صحة تحرر المجتمع السعودي؟
بدايةً فإن تعبير التحرر هو مصطلح موازي للانفتاح المجتمعي ومن حيث المنطق فيتم تداوله بطبيعة الحال في ظل القرارات التي تتخذها الدولة في الوقت الحالي سواءً بالسماح للمرأة بأن تدخل أسواق العمل وإمكانية احتكاكها بالرجل أو السماح لها بالقيادة (وهو ما وجهه تيار الصحوة في التسعينات بقوة ووصف المرأة التي تقود السيارة بالعلمانية) بجانب التوجهات لضخ 64 مليار دولار على إنشاء الأماكن الترفيهية خلال السنوات العشرة المقبلة ومن بينها داراً للأوبرا، لكن هل تعني هذه الأشياء أن المجتمع السعودي تحرر بالفعل أم أن التعامل مع هذه القضايا في الماضي كان متشدداً وما موقف السعوديين أنفسهم ما بين الفترتين السابقة والحالية؟
للإجابة عن هذا السؤال عن قرب، فإن مسألة التحرر أو التغريب (اتباع تقاليد وعادات الغرب) ليست مطروح في الأصل ضمن الخيارات لدى المجتمع السعودي، فمازال عدداً كبيراً للغاية من المقاطعين للمناقشات العلنية التي تتشكل وكأنها الرأي العام مكتفين بالوسطية التي كان عليه أجدادهم فيما قبل ظهور تيار الصحوة حتى فلا يسمحون بفكرة الخلوة أو يتعاملون مع الأغاني وكأنها شيءً عادياً ولا يعطون لنسائهم مجالاً للخروج عن تعاليم الدين. ولكن يبقى السؤال الأهم لماذا يتم الترويج لفكرة التحرر هذه؟
في الماضي وبالتحديد في الفترة التي كان ينشط فيها تيار الصحوة وما تبعها من سنوات كانت وسائل الإعلام والدعاة ليس لديهم الجرأة للحديث عن تحليل بعض الأشياء والسماح بها أو الترويج لفكرة الانفتاح المجتمعي أو ربما لم يكن لهم مصالح في هذا، وهو ما يعاكس ما يحدث الآن حيث باتت بعض وسائل الإعلام تروج لبعض الأفكار المحرمة شرعاً مثل الخلوة أو تحليل الأغاني، مما رسم صورة أن المجتمع السعودي يتجه لسلك طريق لم يكن يسلكه أبداً. والواقع يشكل صورة مغايرة تماماً.
 فربما يكون البعض داخل المجتمع السعودي أنجرف وراء تحليلات الدعاة ووسائل الإعلام والتي قد تكون تخدم أهواء أشخاص بعينهم، ولكن هذا لا يعني أن الجميع أو بالأحرى أن الغالبية قد حول قبلته إلى هذا الطريق.
الأمر مشابه تماماً لما يحدث في بعض المجتمعات العربية التي تسمح بأشياء يُروج لتحليله الآن في المملكة، حيث مازال لدى بعضها التمسك الشديد بالوسطية، وهو ما يستحيل الإيقان به إلا إذا أختلط بهم بسبب ما يُصوره بعضهم على الشاشات وفي الخُطب.
إذا هل ما يحدث من مهاجمة لبعض التقاليد المتعارف عليها دينياً بإدعاء التوعية ضد تشدد الصحوة كان أمراً حقيقياً؟ الإجابة لا، فربما كان يعيش بعضهم في صحوة تحت مظلة حزب معين وهو ما دفعهم لتعديل مواقفهم لتتناسب مع الحزب الجديد ضاربين بإيمانهم بالتحريم الصريح في القرآن للانتماء للأحزاب في عدداً من المناسبات ومنها قول الله في سورة المجادلة (أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).
وبالطبع لا يوجد مجتمع كامل، كما هو الحال في المملكة، هناك من هو متطرف بدرجة لم تصل إلى كونها شكلاً فزاً كما هو عليه تنظيم القاعدة وداعش، وهناك من هو متسيب لا يهتم لتعاليم الدين والغالبية وسطية.
ختاماً، الحلال بين والحرام بين؛ والإسلام الوسطي ليس حركة أو تيار أو نهج يعتمد على محاضرات من محاضرين يتقلبون مع مصالحهم فالدين واضح والمجتمع السعودي ليس بهذا القطيع الذي يسير وراء من يعتلون المنبر ويعتقدون أنفسهم مسطرة قياس للتدين، فالقطيع ليس من يلتزم الصمت وسط ثرثارات أصحاب المصالح بل القطيع هو من يتأرجح وراء الآراء المتقلبة ليكون فقط مواكباً للحدث.

شاهد أيضاً

ابشر .. فرجت!

عهود اليامي   شهدنا خلال الأيام الماضية جمال وتكاتف وانسانية الشعب السعودي، الذي ساهم أفراده بتفريج …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *